ما خوطب به ، وقد بلغني عن بعض أصحاب الشافعي من المتأخرين أنه قال : إن أدلة
العقول صحيحة ، إلا أن الله تعالى لم يحوج إليها ، لأنه قد أغنانا عنها بالسمع ، وهذا قول
متناقض ، ( 1 ) لأن السمع لا يثبت أنه من عند الله تعالى إلا بحجج العقول ودلائلها ،
ولا يمكن الوصول إلى معرفة صدق النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيب مسيلمة إلا من جهة العقول والنظر
في الدلائل والأعلام ، وأن ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم ليس في مقدور ( 2 ) البشر ، ولا يتأتى ( 3 ) فعله
لمخلوق ، وإن ما أتى به مسيلمة مخاريق وحيل لا تعوز ( 4 ) أحدا صرف همته إليه إلا فعل مثله
وأضعافه .
وقول هذا القائل يضاهي قول داود في قوله : إني عرفت الله بالخبر .
وقائل هذا القول مقر : أنه لا يعرف الله تعالى ، لزعمه ( 5 ) أن العقل لم يدله على
التوحيد ، ولا على إثبات الصانع ، ولا سبيل لأحد إلى علم ذلك ، إلا من جهة العقل ، ولا
وصول إلى علم صحة الخبر إلا بالعقل ، والاستدلال على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وكذب المتنبي .
وعلى أنه يستحيل أن يعرف الرسول صلى الله عليه وسلم من لا يعرف المرسل ، ويعلم النبي نبيا قبل أن
يعرف الله تبارك وتعالى ، فقول القائل : إني عرفت الله عز وجل بالخبر ، لا يكون إلا من
خذلان ليس وراءه غاية ، ومن جهالة ليس وراءها نهاية .
فإن قال قائل : إنما أعرف دلائل العقول بانضمام الخبر إليها ، ومتى لم ينضم إليها
الخبر لم تكن العقول مفضية إلى علم التوحيد ، وإلى إثبات الصانع الحكيم .
قيل له : هذا متناقض ، ( 6 ) لأن الخبر الذي ادعيت أنه شرط في صحة وقوع العلم
بدلائل العقل لا يخلو من أن يكون خبرا صحيحا ، أو فاسدا ، أو مشكوكا فيه ، لا يعلم
صحته ولا فساده ، فإن كان خبرا فاسدا أو كاذبا ، فإنه يستحيل أن يوجب العلم ( بمخبره
لأن مخبره كذب ، والخبر المشكوك فيه أيضا لا يوجب العلم ) ، ( 7 ) لأنه إذا أوجب العلم لم
الفصول في الأصول — صفحة 380
مساهمون: الجصاص
ص٣٨٠