يكن مشكوكا فيه ، وعلى أن هذا يوجب أن ( لا ) ( 1 ) يختلف في ذلك خبر النبي صلى الله عليه وسلم وغير
خبره ، إذا لم تراع صحته في انضمامه إلى دلائل العقول . وإن كان شرط ذلك الخبر أن يكون
صحيحا وصدقا ، فإن هذا الخبر لا يعلم صحته من فساده إلا من جهة العقل ، فيحتاج أو لا
أن يستدل على صحته أو فساده من جهة العقل ، فقد أوجب استعمال دلالة العقل قبل
ثبوت الخبر ، وقد استغنى العقل في دلالته على مدلوله عن خبر يضاده ، ( 2 ) فتناقض قولك ،
وظهر تجاهلك .
وأيضا : فإن الله تعالى إنما أمرنا بالاستدلال من جهة العقول في الآي التي ذكرناها ،
على ما كلفنا العلم به ، من غير شرط انضمام خبر إليه .
وإبراهيم عليه السلام قد استدل على التوحيد قبل أن جاءه الوحي في قوله تعالى :
( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي إلى قوله تعالى : ( إني وجهت وجهي للذي
فطر السماوات والأرض حنيفا ) ( 3 ) ثم أخبر أن ذلك سبيل كل مكلف ، بقوله تعالى :
( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) إلى قوله تعالى ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم
اقتده ) ( 4 ) فأمرنا بالاستدلال على التوحيد على النحو الذي استدل عليه إبراهيم عليه
السلام .
فإن قال قائل : لست أقول : إن الخبر والعقل معا ( 5 ) يحدثان لي العلم بموجبات
أحكام العقول عند النظر والاستدلال . ولكني أقول : إن الخبر ينبه على النظر ، وعلى اعتبار
دلائل العقل ، ولولا الخبر لما كان لي سبيل إلى التنبيه ( 6 ) عليها .
قيل له : فهذا الخبر الذي يقع به التنبه على النظر والاستدلال ، شرطه عندك أن
يكون صدقه معلوما ، أو جائزا ، لا يعلم صحته وصدقه . وأي خبر كان وقع به التنبه ، ( 7 )
الفصول في الأصول — صفحة 381
مساهمون: الجصاص
ص٣٨١