اعتقاد صحة ( شئ ) ( 1 ) ولا يدري هل صحيح أم فاسد .
وإن قال : علمت صحته .
قيل له : فعلمته بدليل أم ( 2 ) بلا دليل ؟ فإن قال : علمته بلا دليل : قيل له : فكيف ( 3 )
علمت صحته ؟ وإن قال : علمته بدليل . قيل له : فقد تركت التقليد ولجأت إلى النظر ،
فهلا نظرت في المذهب الذي قلدت فيه غيرك فاستدللت على صحته أو فساده ؟ وقد
استغنيت عن التقليد ( 4 ) بنظر واستدلال ، كما أثبت التقليد ضرورة ، فكل من لم يضطر إلى
صحة القول به لم يلزمه إثباته ، ولخصمه مع ذلك : أن يعارضه فيدعى علم الضرورة في
إبطال التقليد ، ووجوب النظر ، وعلى أن ما كان العلم به ضرورة ، فالواجب أن يشترك سائر
العقلاء في وقوع العلم به إذا تساووا في السبب الموجب للعلم الضروري .
ويقال للقائل بالتقليد : قد وجدنا القائلين بالتقليد مختلفي المذاهب ، متضادي
الاعتقادات على حسب تقليدهم لمن اتبعوه . فأي هذه المذاهب المتضادة الصحيح ؟ وأيها
الفاسد ؟ إذ ( 5 ) يستحيل اجتماعها كلها في الصحة .
فإن قال : مذهبي هو الصحيح ، لأن من قلدته أولى بأن يقلد من غيره ، فلذلك كان
مذهبي صحيحا ، ومذهب غيري فاسدا .
قيل له : ولم صار من قلدته مذهبك أولى بأن يقلد من غيره ممن قلده خصمك ؟ .
فإن قال : لأن من قلدته أورع وأزهد ، وأظهر صلاحا .
قيل له : فتأمن عليه الخطأ واعتقاد الباطل ؟
فإن قال : نعم قد أمنت جواز ذلك عليه ، فقد حكم له بصحة غيبة ، ( 6 ) وأن باطنه
كظاهر ، وهذا غير جائز أن يحكم به لأحد ، إلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم .
وإن قال : يجوز عليه اعتقاد الضلال ، واختيار الخطأ ، والعدول عن الصواب .
قيل له : فإذا جاز ذلك عليه ، فلست تأمن أن تكون مبطلا في تقليدك إياه ، واعتقادك
مذهبه ، فلست إذا على علم من صحة قولك وبطلان قول خصمك . وقد نهى الله تعالى
الفصول في الأصول — صفحة 374
مساهمون: الجصاص
ص٣٧٤