لنفسها ، وهو إنما ( يسأل عن ) ( 1 ) التقليد لم قلت : إنه حجة .
فإن قال : هذا يرجع عليك في قولك بحجج القول ، لأنا نقول لك : أثبت حجة
العقل بالعقل أو بغيره .
فإن قلت : أثبتها بغير العقل ، قلنا لك : فأظهره .
وإن قلت : أثبتها بالعقل ، ففي هذا نوزعت ، وإنما جعلت ( 2 ) المسألة دليلا لنفسها .
قيل له : أول ما في هذا : أن اعتراضك به احتجاج من جهة العقل ، ومناظرة منك في
إفساد المذهب ، وفي ذلك إثبات منك لحجة العقل ، فأنت من حيث أردت نفيها أثبتها ،
وناقضت في قولك ، على أنا نجيبك إلى سؤالك ، وإن لم يلزمنا لك بحق النظر .
فنقول : إنا أثبتنا دلائل العقول بالعقل ، لأن مما يدل عليه ( 3 ) العقل : ظاهر جلي لا
يرتاب به أحد ، ولا يشك فيه . ومنه غامض خفي ، فوصلنا إلى علم ( 4 ) الخفي منه بالجلي ،
ويحتاج في إثبات الخفي من أحكام العقول إلى نظر وتأمل ، وعرضه على الجلي في إثبات
حكمه . ( 5 )
فما صححه صح ، وما نفاه انتفى ، كما نقول في المحسوبات : إنا أثبتنا علومها
بالحس ، وإن احتجنا في الوصول إلى استعمال آلة الحس . ألا ترى : أن من بين يديه طعام ،
لا يدري حلو هو أم حامض : أنه لا يكتفي بوجود آلة الحس فيه دون ذوقه ، حتى يعرف
طعمه . كذلك العلوم العقلية : منها ما هو جلي ، يعتبر به الخفي منه ، ويتوصل إلى معرفته
باستعماله .
ويقال له ( 6 ) في النظر وموجب القول بالتقليد : خبرنا عن قولك بوجوب التقليد ، هو
مذهب قد علمت صحته ، أو لم تعلمها .
فإن قال : لا أعلم صحته ، فقد قضى على اعتقاده ( 7 ) بالفساد ، لأن أحدا لا يجوز له
الفصول في الأصول — صفحة 373
مساهمون: الجصاص
ص٣٧٣