موافقته إياهم ، فلا يعتد بخلافه ، لأن الإجماع قد انعقد ، وثبتت حجته فلا ينقضه خلاف
من خالفهم بعد موافقته لهم . فأما إذا لم يحصل إجماع من جميعهم ، فلم يثبت هناك حجة من
جهة الإجماع ، فلذلك جاز لواحد منهم مخالفته .
قال : ووجه آخر : وهو أن الصحابي لم يكن يدعو الناس إلى تقليده واتباع قوله : ( ألا
ترى : أن عمر بن الخطاب سئل عن مسألة فأجاب فيها ، فقال له رجل : أصبت الحق ، أو
كلاما نحوه ، فقال عمر : والله ما يدري عمر أصاب أو أخطأ ، ولكن لم آل عن الحق ) ( 1 ) وقال
زيد بن ثابت ، في قضية قضى بها ( في الجد ) : ( 2 ) ليس رأيي حق على المسلمين ، في نحو
ذلك من الروايات عنهم ، في نفي لزوم تقليدهم ، فإذا لم ير هؤلاء وجوب تقليدهم على
الناس فكيف يجوز لنا أن نقلدهم ! !
قال أبو بكر : وهذا يحتمل : أن يكون الصحابة إنما منعت وجوب تقليدهم لأهل
عصرهم من العلماء ، أو أن تكون مسألة خلاف بينهم فأخبروا : أنهم لا يلزم أحد أن يقلد
بعضهم دون بعض فيها ، وأنه يجب على من بعدهم النظر والاجتهاد في طلب الحكم
دون التقليد .
وكان أبو الحسن يرى قبول قول الصحابي ، ( لازما ) ( 3 ) في المقادير التي لا سبيل إلى
إثباتها من طريق المقاييس والاجتهاد . ويعزى ذلك إلى أصحابنا ، ويذكر مسائل قالوا فيها
بتقليد الصحابي ولزوم قبول قوله ، نحو ما روي عن علي عليه السلام : لا مهر أقل من
عشرة دراهم ( 4 ) ، وما روى عنه ( إذا قعد الرجل في آخر صلاته مقدار التشهد فقد تمت
صلاته ) ( 5 ) ونحو ما روي عن أنس في أقل الحيض : أنه ثلاثة ، وأن أكثره عشرة ، ( 6 ) ( وما روى
عن عثمان بن أبي العاص وغيره ( في أن أكثر النفاس أربعون يوما ، ( 7 ) وما روى عن عائشة
الفصول في الأصول — صفحة 364
مساهمون: الجصاص
ص٣٦٤