فصل
وإذا اختلفت الأمة في مسألة على قولين ، فقال بأحد القولين طائفة ، وبالقول الآخر
طائفة أخرى مثلها ، وكل واحد من الطائفتين ممن يجوز الاعتراض بخلافها ، ولا يصح
الإجماع مع وجود الخلاف منها ، ثم انقرضت إحدى الطائفتين وبقيت الأخرى - فإن بعض
أهل العلم ذكر : أنه إن كان الاختلاف ( 1 ) في شئ جروا فيه إلى تأثيم بعضهم بعضا ، ولم
يسوغوا اجتهاد الرأي فيه ، فإن الطائفة الباقية يكون إجماعها حجة ، لأنا قد علمنا : أن
الطائفة المتمسكة بالحق لا يخلو منها زمان ، وهي قد شهدت ببطلان قول الطائفة التي
انقرضت ، فوجب أن يكون قولها حقا وصوابا ، ووجب الحكم بفساد قول الطائفة التي
انقرضت . وإن كان ذلك شيئا سوغوا ( 2 ) فيه الاختلاف ، وأباحوا فيه اجتهاد الرأي ، فإنه لا
يثبت الإجماع ببقاء هذه الطائفة ، قال : لأن الطائفتين جميعا قد أجمعوا بديا على تسويغ
الاختلاف ، ووسعوا فيه اجتهاد الرأي وهذا الإجماع حجة لا يسع خلافه .
قال أبو بكر : وإنما بني هذا القول على أصله : في أن الإجماع بعد الخلاف لا يرفع
الخلاف المتقدم فيما كان طريقه اجتهاد الرأي . وسنتكلم في هذه المسألة بعد هذا إن شاء
تعالى .
الفصول في الأصول — صفحة 311
مساهمون: الجصاص
ص٣١١