والحسن ، ( 1 ) في آخرين ( 2 ) من التابعين يفتون مع الصحابة ، ويخالفونهم ، ويسوغ الصحابة
لهم ذلك ، كما سوغوا خلاف بعضهم لبعض ، فكان يجب على هذا : أن لا ينعقد الإجماع
بانقراض الصحابة ، لأن هناك من التابعين من هو في حكمهم ، وفي مثل حالهم في جواز
اعتراضه بالخلاف عليهم فيما قالوه . فإن كان ( ذلك ) ( 3 ) كذلك ، فواجب ألا يصح
( ذلك ) ( 4 ) الإجماع بإجماع التابعين بعدهم معهم ، لأنهم قد يلحق بهم من أتباعهم من
يخالف ، عليهم ويعتد به وكذلك سائر الأعصار ، فيؤدي ذلك إلى بطلان حجة الإجماع ، فلما
ثبتت عندنا حجة الإجماع بما قدمنا ، علمنا : أن إجماع أهل كل عصر حجة في كل حين
وزمان ، انقرض أهل العصر ، أو لم ينقرضوا ، وأنه غير جائز بعد انعقاد إجماعهم : أن يعتد
بخلاف أحد عليهم من أهل عصرهم ، ولا من غيرهم .
وأيضا : فلما ثبت : أن اجماعهم حجة ودليل لله تعالى ، فحيثما وجد ينبغي أن يكون
حكمه ثابتا في جهة الدلالة ، ووجوب الحجة ، لأن حجج الله تعالى ودلائله لا تختلف
أحكامها بالأزمان والأوقات : كنص ( 5 ) الكتاب والسنة ، لما كانا حجة لله تعالى لم يختلف
حكمهما ( 6 ) فيما لا يوجبانه في سائر الأوقات .
وأيضا : فلو لم يكن إجماعهم صحيحا قبل انقراض العصر : لما أمنا أن يكون الذي
أجمعوا ( 7 ) عليه خطأ وضلالا ، وقد أمنا وقوع ذلك منهم بقول الله تعالى : ( كنتم خير أمة
أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) ( 8 ) وقوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم
أمة وسطا ) ( 9 ) وسائر الآي الموجبة لحجة الإجماع ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( يد الله مع الجماعة ) ، .
الفصول في الأصول — صفحة 308
مساهمون: الجصاص
ص٣٠٨