فصل
من هذا الباب :
واختلف أهل العلم في هذا الباب من وجه آخر .
فقال قائلون : إذا ظهر القول من جماعة كبيرة ، أو من واحد ( 1 ) أو اثنين من أهل
العصر وانتشر واستفاض في عامة أهل العلم ، ولم يظهر من واحد منهم خلاف للقائل به -
فهو إجماع صحيح .
وقال آخرون : لا يكون هذا إجماعا حتى يكون القائلون به الجمهور الأعظم ،
ويكون الذي لم يظهر خلافه عدد قليل ، فأما إذا كان القائلون نفرا يسيرا ، والساكتون
الجمع الكثير ، فليس ينعقد بهذا إجماع ، وإن تركت الجماعة إظهار الخلاف .
قال أبو بكر : أما إذا كان القائلون به الجمع الكثير والساكتون نفرا يسيرا : هذا إجماع
صحيح إذا لم يظهروا مخالفة الجماعة بعد انتشار المقالة وظهورها .
والدليل على صحته : ما قدمنا من أن الإجماع لا يخلو من أن تكون صحته موقوفة
على معرفة قول كل واحد بعينه من أهل العصر ممن يعتد بقوله في هذا الباب ، أو أن يكون
شرطه ظهور قول الجماعة القائلة به ، وانتشاره في الباقين من غير إظهار منهم عليهم خلافا ،
ومحال أن يكون شرط الإجماع وجودا القول من كل واحد من أهل العصر بعينة ، لأن ذلك لا
يوصل إليه ، وفي وجوب اعتباره بطلان حجة الإجماع الذي قد حكم الله تعالى بصحته ،
ولزوم حجته ، ويمتنع أن يحكم الله تعالى بصحة الإجماع ويأمرنا بلزومه ( واعتباره ) ( 2 ) ثم
لا يوصل إليه ، ولا يوقف عليه بوجه . فلما بطل هذا الوجه صح الثاني ، وهو : أن شرطه
ظهور القول في الجماعة التي يعتد بإجماعهم . ثم لا يظهر منهم خلاف على القائلين ، وأما إذا
كان القائل واحدا أو اثنين ونفرا يسيرا ، وانتشر قولهم في الجماعة ، لأنهم لو كانوا معتقدين
لخلافهم لما جاز أن تتفق هممهم على كتمانه وترك إظهاره ، إذ ليس هناك مانع يمنعهم من
إظهار قولهم ومعلوم : أن عادات الناس وتعارفهم ، أن مثلهم لا يجوز أن تتفق هممهم
وخواطرهم على كتمان خلاف هم معتقدون له من غير سبب يمنعهم من إظهاره . فهذا
يدل : على أن سكوتهم بعد انتشار المقالة وظهورها فيهم ( 3 ) موافقة منهم للقائلين .
الفصول في الأصول — صفحة 303
مساهمون: الجصاص
ص٣٠٣