أخبارهم ونقلهم لها ، ومن كان كذلك عدم العلم بها ، فصاروا بمنزلة العامي الذي لا يعتد
به في الإجماع ، ولا الاختلاف ، لعدم علمه بأصول الشرع التي عليها مبني فروعه .
فإن قال قائل : إن كنت لا تعتد بمن ( 1 ) ثبت ضلاله في الإجماع ، ولا تعد خلافه
خلافا لأجل ما ثبت من ضلاله وفسقه ، فالذي يلزمك على هذا الأصل : أن لا تعتد
بخلاف ( من ثبت ) ( 2 ) فسقه من جهة الأفعال ، وإن كان صحيح الاعتقاد ، لأن الفاسق
على أي وجه كان فسقه لا يكون من شهداء الله تعالى ، ولا ممن حكم له بالعدالة ، وأناب
إليه .
قيل له : كذلك نقول : إن من ثبت فسقه لم يعتد بخلافه ، ولا يعتبر إجماعه ، وكيف
يعتد به في الإجماع والاختلاف ، وهو لا تقبل شهادته ولا فتياه ! !
فإن قال قائل : فهل ( 3 ) تجوزون على هذه الجماعة التي انعقد بها الإجماع : الانتقال
عن حال العدالة إلى غيرها من الضلال والكفر ؟
قيل له : من الناس من لا يجيز ذلك ، لأنه لما ثبت أنهم شهداء الله تعالى في لزوم
قولهم امتنع خروجهم عن هذه الحال إلى غيرها ، لأنه يوجب بطلان حجة الله تعالى . ألا
ترى أن قول الأنبياء عليهم السلام ، لما كان حجة على أمتهم ، لم يجز عليهم التبديل
والتغيير والانتقال عن الحال التي هم عليها ؟ ( 4 )
ومن الناس من يجيز ذلك على هذه الجماعة ، إذا قام غيرهم بدلا منهم ، لئلا تخلو
الأمة من أن يكون فيها قوم متمسكون بالإيمان ، قائمون بحجة الله تعالى ، التي هي
الإجماع ، وجعلوا ( 5 ) انتقالهم عن ذلك بمنزلة موتهم .
قال أبو بكر : وأي القولين صح من ذلك فإنه لا يخل بحجة الإجماع ، لأن الأمة ( 6 )
لا تخلو في الحالين من أن يكون فيها شهداء الله تعالى ، ومن أن يكون إجماعهم حجة . ( 7 )
الفصول في الأصول — صفحة 295
مساهمون: الجصاص
ص٢٩٥