الناس والحجة عليهم فيما قالوه ، وشهدوا به ، الذين وصفهم أنهم وسط ، والوسط العدل ،
وقد قيل : الوسط الخيار ، كما قال الله تعالى : ( قال أوسطهم ( 1 ) ) يعني خيرهم والمعنى
واحد ، لأن العدل الخيار ، والخيار العدل ، وإذا كان ذلك كذلك ، فلا اعتبار بمن لم يكن من
هذه الصفة في الاعتداد لإجماعهم ، وقال تعالى : ( واتبع سبيل من أناب إلي ) ( 2 ) وقال
تعالى : ( ويتبع غير سبيل المؤمنين ) ( 3 ) وقال تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت
للناس ) . ( 4 ) فألزمنا اتباع من أناب إليه ، والاقتداء بالمؤمنين ، وبمن يأمر بالمعروف ، وينهي
عن المنكر .
وأهل الضلال والفسق بخلاف هذه الصفة ، فلا يلزمنا اتباعهم ، ومتى أجمعت فرق
الأمة كلها على أمر ، علمنا : أن المأمور باتباعه منهم المؤمنون ، ومن أناب إلى الله تعالى ،
دون ( أهل ) ( 5 ) الضلال والفاسقين .
فدل ذلك : على أنه لا عبرة بخلافهم ، ( 6 ) إذ كانوا لو وافقوهم لم يكونوا متبعين ولا
مقتدى بهم . ولا كان قولهم حجة على أحد ، فثبت بذلك : أن انعقاد الإجماع متعلق بقول
الجماعة التي قد شملها الوصف من الله تعالى بالعدالة ، ولزوم قبول الشهادة ، ولأجل ما قد
بينا من الأصل . لم يعتد بخلاف الخوارج ، وسائر فرق الضلالة ، لما قد ثبت من ضلالهم ،
وأنهم لا يجوز أن يكونوا شهداء الله تعالى .
ومما يوجب أيضا أن لا يعتد يقول هؤلاء في الإجماع : أن علم الشريعة مبني على
السمع . ومن لم يعرف الأصول السمعية لم يصل إلى علم فروعها .
والخوارج ومن جرى مجراهم قد أكفرت ( 7 ) السلف الذين نقلوا الدين ، ولم يقبلوا
الفصول في الأصول — صفحة 294
مساهمون: الجصاص
ص٢٩٤