صحة احتجاجه بها ، وإبانته عن موضع الدلالة منها ، على ما ذهب إليه ، فرجعوا إلى
قوله ، وتابعوه ( 1 ) على رأيه .
ونحو إجماعهم : على أن عمة الأب وخالته حرام عليه ، وكذلك عمة أمة وخالتها ،
وليس ذلك منصوصا عليه في الكتاب ، وإنما أجمعوا عليه بدلالة المنصوص في تحريمه : العمة
والخالة ، ثم كانت أم الأب بمنزلة أمة في التحريم ، كذلك عمة الأب وخالته بمنزلة عمته
وخالته ، ونحو قول أبي بكر الصديق للصحابة حين خالفوه في قتال أهل الردة : لأقاتلن من
فرق بين الصلاة والزكاة ، فقال له أصحابه : قد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى
يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم . فقال : إنما قال : عصموا مني
دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وهذا من حقها ) فعرف ( 2 ) الجميع صحة استخراجه لمعنى
التوقيف ، ( ورجعوا إلى قوله .
وأما الإجماع الذي وقع منهم من غير توقيف ورد فيه ، ولا استخراج معنى
التوقيف ) ( 3 ) فجائز أن يكون أصله كان توقيفا ، وجائز أن يكون اجتهادا ، نحو إجماعهم على
أن للجدتين : أم الأم ، وأم الأب ، إذا اجتمعتا السدس ، وأن لبنت الابن نصف الميراث إذا
لم يكن للميت ولد الصلب .
وأجمعوا أيضا على تأجيل امرأة العنين ، وليس فيه توقيف ، والأغلب من أمره : أنه عن
اجتهاد ، وكذلك اتفاقهم : على أن عدة الأمة على نصف من عدة الحرة ، مع قوله تعالى :
( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) ( 4 ) وأن دية المرأة على النصف من دية الرجل ،
وإجماعهم على جواز شهادة النساء وحدهن فيما لا يطلع عليه الرجال : كالولادة ونحوها .
ومما علمنا وقوعه عن اجتهاد : حد الخمر ثمانين ، وذلك أن عمر شاور الصحابة في
حد الخمر فقال على : ( إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، وحد الفرية
ثمانون ) ( 5 ) وكذلك قال عبد الرحمن بن عوف ، وقال علي عليه السلام ( ما أحد أقيم عليه
الفصول في الأصول — صفحة 279
مساهمون: الجصاص
ص٢٧٩