فإن قيل : قوله تعالى ( 1 ) ( لتكونوا شهداء على الناس ) ( 2 ) كقوله تعالى ( وما خلقت
الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( 3 ) وفيهم من عبد ، وفيهم من لم يعبد . وكذلك جائز من الأمة
تضييع الشهادة ، كما جاز من بعض من خلق للعبادة تركها .
قيل له : لو جاز أن يقال هذا في الأمة - لجاز في الرسول عليه السلام مثله ، فلما كان
وصفه للرسول عليه السلام بذلك قد اقتضى قبول شهادته ، ولزوم قوله ، كانت الأمة مثله ،
ولما لم يجز أن يقال ذلك في الرسول - لم يجز في الأمة مثله ، وفارق العبادة ما ذكرت من الوصف
بالشهادة .
وأيضا : فإنه ( لما ) ( 5 ) وصف الأمة بالعدالة بقوله تعالى ( جعلناكم أمة وسطا )
فجعلهم شهداء بعد ( وصفه إياهم ) ( 6 ) بالعدالة . فقد أفاد هذا الوصف لهم قبول الشهادة ،
لأنه حكم لهم بذلك ، وليس يجوز أن يحكم لهم بالعدالة وقبول الشهادة وهم غير مستحقين
لذلك ، وهو كقوله تعالى ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ) ( 7 ) يعني : أنهم كذلك ،
وهذه صفتهم ، وليس كذلك قوله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( 8 ) لأنه
إخبار عن إرادته خلقهم لعبادته ، لا على وجه وقوع الحكم لهم بالعبادة .
وأيضا : فإنه عز وجل لم يستشهدهم ( على الناس ) ( 9 ) إلا وقولهم مقبول ، وشهادتهم
جائزة ، لأنه لا يجوز أن يستشهد من لا تجوز شهادته ، لأنه عبث ، والله يتعالى عنه .
وأما قوله : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) فإنه إخبار أنه كان مريدا
لخلقه إياهم أن يعبدوه ، ليستحقوا بها الثواب الجزيل ، وقد وجد ذلك منه ، وإن تركوها
هم .
الفصول في الأصول — صفحة 261
مساهمون: الجصاص
ص٢٦١