علمنا : أنه لا يخلو من أن يكون منسوخا ، أو غير صحيح في الأصل ، ولا يجوز فيما كان هذا
وصفه : أن يختص بنقله الأفراد دون الجماعة ، كما قلنا في أهل مصر إذا طلبوا الهلال ، ولا علة
بالسماء : إنه غير جائز قبول أخبار الآحاد في رؤيته ، لأنه لو كان ما أخبر به ( صحيحا ) ( 1 ) لما
جاز أن يختص هو برؤيته دون الكافة .
ولو كان بالسماء علة ، وجاء من خارج المصر قبل خبره . وكذلك لو أخبر مخبر عن فتنة
وقعت في الجامع تفانى فيها الخلق ، لم يجز قبول خبره دون نقل الكافة .
وكذلك لو قال رجل للإمام يوم الجمعة بعد ما سلم : إنما صليت ركعة واحدة ، ولم
يخبره غيره بذلك ، مع كثرة المصلين خلفه ، لم يجز له أن يلتفت إلى خبره ، ولو كان رجل
صلى بآخر فلما سلما ، قال له : سهوت : وإنما صليت ركعة ، كان يجب عليه قبول خبره ، إذا
لم يتيقن : أنه قد أتم صلاته .
ومما ورد خاصا مما سبيله أن تعرفه الكافة : ما روى أبو هريرة عن النبي عليه السلام :
أنه قال : ( لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ) . فهذا الخبر إن حمل على ظاهره اقتضى
بطلان الطهارة إلا مع وجود التسمية عليها ، ولو كان ذلك من حكمها - تعرفه الكافة ، كما
عرفت سائر فروضها ، لعموم الحاجة في الجميع على وجه واحد .
وكما روى عن النبي عليه السلام : أنه قال ( من غسل ميتا فليغتسل ، ومن حمله
فليتوضأ ) . ونحو الوضوء من مس الذكر ، ومن مس المرأة ، والوضوء مما مسته النار ، وما روى
في الجهر : ببسم الله الرحمن الرحيم . فلو كانت هذه الأمور ثابتة لنقلها الكافة .
ومثله : حديث رفع اليدين في الركوع ، لو كان ثابتا لنقل نقلا متواترا .
ومما يدل على صحة هذا الاعتبار : أن النبي عليه السلام لم يقتصر على خبر ذي
اليدين في قوله : ( ( أقصرت الصلاة أم نسيت ) حتى سأل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ، فقال
لهما : أحق ما يقول ذو اليدين ؟ فقالا : نعم ، لأنه يمتنع في العادة أن يختص هو بعلم ذلك من
بين الجماعة ، كما قلنا فيمن قال للإمام يوم الجمعة بعد ما سلم : سهوت ، وإنما صليت ركعة
واحدة ، فلا يلتفت إلى قوله ، إذا لم يعرفه مع جماعة غيره .
فإن قال قائل : الحيض مما تعم بلوى النساء به ، ولم يرد النقل مستفيضا بمقداره .
قيل له : قد ورد النقل المستفيض : بأنها تدع الصلاة أيام أقرائها ، وأقل ما يتناول ذلك
الفصول في الأصول — صفحة 115
مساهمون: الجصاص
ص١١٥