مستأنفا لبيان ما أعد الله لهم في الآخرة ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ) هم جفاة
بني تميم كما سيأتي بيانه ، ووراء الحجرات خارجها وخلفها : والحجرات جمع حجرة ، كالغرفات جمع غرفة ، والظلمات
جمع ظلمة ، وقيل الحجرات جمع حجرة ، والحجر جمع حجرة ، فهو جمع الجمع : والحجرة الرقعة من الأرض
المحجورة بحائط يحوط عليها ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة . قرأ الجمهور الحجرات بضم الجيم . وقرأ أبو جعفر بن
القعقاع وشيبة بفتحها تخفيفا ، وقرأ ابن أبي عبلة بإسكانها ، وهي لغات ، و " من " في من وراء لابتداء الغاية ،
ولا وجه للمنع من جعلها لهذا المعنى ( أكثرهم لا يعقلون ) لغلبة الجهل عليهم وكثرة الجفاء في طباعهم ( ولو أنهم
صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ) أي لو انتظروا خروجك ولم يعجلوا بالمناداة لكان أصلح لهم في دينهم
ودنياهم ، لما في ذلك من رعاية حسن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ورعاية جانبه الشريف
والعمل بما يستحقه من التعظيم والتجليل . وقيل إنهم جاءوا شفعاء في أسارى ، فأعتق رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم نصفهم وفادى نصفهم ، ولو صبروا لأعتق الجميع ، ذكر معناه مقاتل ( والله غفور رحيم ) كثير
المغفرة والرحمة بليغهما لا يؤاخذ مثل هؤلاء فيما فرط منهم من إساءة الأدب ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ
فتبينوا ) قرأ الجمهور " فتبينوا " من التبين ، وقرأ حمزة والكسائي " فتثبتوا " من التثبت ، والمراد من التبين التعرف
والتفحص ، ومن التثبت الأناة وعدم العجلة ، والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر . قال
المفسرون : إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط كما سيأتي بيانه إن شاء الله . وقوله ( أن تصيبوا
قوما بجهالة ) مفعول له : أي كراهة أن تصيبوا ، أو لئلا تصيبوا لأن الخطأ ممن لم يتبين الأمر ولم يتثبت فيه هو
الغالب وهو جهالة ، لأنه لم يصدر عن علم ، والمعنى : ملتبسين بجهالة بحالهم ( فتصبحوا على ما فعلتم ) بهم من
إصابتهم بالخطأ ( نادمين ) على ذلك مغتمين له مهتمين به . ثم وعظهم الله سبحانه فقال ( واعلموا أن فيكم رسول
الله ) فلا تقولوا قولا باطلا ولا تتسرعوا عند وصول الخبر إليكم من غير تبين ، وأن وما في حيزها سادة مسد
مفعولي اعلموا ، وجملة ( لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ) في محل نصب على الحال من ضمير فيكم أو مستأنفة ،
والمعنى : لو يطيعكم في كثير مما تخبرونه به من الأخبار الباطلة ، وتشيرون به عليه من الآراء التي ليست بصواب
لوقعتم في العنت ، وهو التعب والجهد . والإثم والهلاك ، ولكنه لا يطيعكم في غالب ما تريدون قبل وضوح وجهه
له ، ولا يسارع إلى العمل بما يبلغه قبل النظر فيه ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان ) أي جعله أحب الأشياء إليكم ،
أو محبوبا لديكم فلا يقع منكم إلا ما يوافقه ويقتضيه من الأمور الصالحة وترك التسرع في الأخبار وعدم
التثبت فيها ، قيل والمراد بهؤلاء من عدا الأولين لبيان براءتهم عن أوصاف الأولين ، والظاهر أنه تذكير للكل بما
يقتضيه الإيمان وتوجيه محبته التي جعلها الله في قلوبهم ( وزينه في قلوبكم ) أي حسنه بتوفيقه حتى جروا على
ما يقتضيه في الأقوال والأفعال ( وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ) أي جعل كل ما هو من جنس الفسوق
ومن جنس العصيان مكروها عندكم . وأصل الفسق الخروج عن الطاعة ، والعصيان جنس ما يعصى الله به ،
وقيل أراد بذلك الكذب خاصة ، والأول أولى ( أولئك هم الراشدون ) أي الموصوفون بما ذكرهم الراشدون .
والرشد : الاستقامة على طريق الحق مع تصلب ، من الرشادة : وهي الصخرة ( فضلا من الله ونعمة ) أي لأجل
فضله وإنعامه ، والمعنى : أنه حبب إليكم ما حبب وكره ما كره لأجل فضله وإنعامه ، أو جعلكم راشدين لأجل
ذلك ، وقيل النصب بتقدير فعل : أي تبتغون فضلا ونعمة ( والله عليم ) بكل معلوم ( حكيم ) في كل ما يقضي
به بين عباده ويقدره لهم .
فتح القدير — صفحة 60
مساهمون: الشوكاني
ص٦٠