قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) قرأ الجمهور " اقتتلوا " باعتبار كل فرد من أفراد الطائفتين كقوله
- هذان خصمان اختصموا - والضمير في قوله " بينهما " عائد إلى الطائفتين باعتبار اللفظ . وقرأ ابن أبي عبلة
" اقتتلتا " اعتبارا بلفظ طائفتان ، وقرأ زيد بن علي وعبيد بن عمير " اقتتلا " وتذكير الفعل في هذه القراءة باعتبار
الفريقين أو الرهطين . والبغي : التعدي بغير حق والامتناع من الصلح الموافق للصواب ، والفئ : الرجوع .
والمعنى : أنه إذا تقاتل فريقان من المسلمين فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم ويدعوهم إلى حكم الله ، فإن
حصل بعد ذلك التعدي من إحدى الطائفتين على الأخرى ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه كان على المسلمين أن
يقاتلوا هذه الطائفة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه ، فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها وأجابت الدعوة
إلى كتاب الله وحكمه ، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله ،
ويأخذوا على يد الطائفة الظلمة حتى تخرج من الظلم وتؤدي ما يجب عليها للأخرى . ثم أمر الله سبحانه المسلمين أن
يعدلوا في كل أمورهم بعد أمرهم بهذا العدل الخاص بالطائفتين المقتتلتين فقال ( وأقسطوا إن الله يحب المقسطين )
أي واعدلوا إن الله يحب العادلين ، ومحبته لهم تستلزم مجازاتهم بأحسن الجزاء . قال الحسن وقتادة والسدي
( فأصلحوا بينهما ) بالدعاء إلى حكم كتاب الله والرضى بما فيه لهما وعليهما ( فإن بغت إحداهما ) وطلبت ما ليس
لها ولم ترجع إلى الصلح ( فقاتلوا التي تبغي ) حتى ترجع إلى طاعة الله والصلح الذي أمر الله به ، وجملة ( إنما
المؤمنون إخوة ) مستأنفة مقررة لما قبلها من الأمر بالإصلاح ، والمعنى : أنهم راجعون إلى أصل واحد وهو
الإيمان . قال الزجاج : الدين يجمعهم ، فهم إخوة إذا كانوا متفقين في دينهم فرجعوا بالاتفاق في الدين إلى أصل
النسب لأنهم لآدم وحواء ( فأصلحوا بين أخويكم ) يعني كل مسلمين تخاصما وتقاتلا ، وتخصيص الاثنين بالذكر
لإثبات وجوب الإصلاح فيما فوقهما بطريق الأولى . قرأ الجمهور " بين أخويكم " على التثنية ، وقرأ زيد بن ثابت
وعبد الله بن مسعود والحسن وحماد بن سلمة وابن سيرين " إخوانكم " بالجمع ، وروى عن أبي عمرو ونصير بن
عاصم وأبي العالية والجحدري ويعقوب أنهم قرءوا " بين إخوتكم " بالفوقية على الجمع أيضا . قال أبو علي
الفارسي في توجيه قراءة الجمهور : أردا بالأخوين الطائفتين ، لأن اللفظ التثنية قد يرد ويراد به الكثرة . وقال
أبو عبيدة : أي أصلحوا بين كل أخوين ( واتقوا الله ) في كل أموركم ( لعلكم ترحمون ) بسبب التقوى ، والترجي
باعتبار المخاطبين : أي راجين أن ترحموا ، وفي هذه الآية دليل على قتال الفئة الباغية إذا تقرر بغيها على الإمام ، أو
على أحد من المسلمين ، وعلى فساد قول من قال بعدم الجواز مستدلا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم " قتال
المسلم كفر " فإن المراد بهذا الحديث وما ورد في معناه قتال المسلم الذي لم يبغ . قال ابن جرير : لو كان الواجب
في كل اختلاف يكون بين فريقين من المسلمين الهرب منه ولزوم المنازل لما أقيم حق ، ولا أبطل باطل ولوجد
أهل النفاق والفجور سببا إلى استحلال كل ما حرم الله عليهم من أموال المسلمين وسبي نسائهم وسفك دمائهم
بأن يتحزبوا عليهم ، ولكف المسلمين أيديهم عنهم ، وذلك مخالف لقوله صلى الله عليه وآله وسلم " خذوا على
أيدي سفهائكم " . قال ابن العربي : هذه الآية أصل في قتال المسلمين ، وعمدة في حرب المتأولين ، وعليها عول
فتح القدير — صفحة 63
مساهمون: الشوكاني
ص٦٣