الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أي جمعوا بين الإيمان بالله والعمل الصالح ، فإنهم في ربح لا في خسير ، لأنهم
عملوا للآخرة ولم تشغلهم أعمال الدنيا عنها ، والاستثناء متصل ومن قال : إن المراد بالإنسان الكافر فقط ، فيكون
منقطعا ، ويدخل تحت هذا الاستثناء كل مؤمن ومؤمنة ، ولا وجه لما قيل من أن المراد الصحابة أو بعضهم ، فإن
اللفظ عام لا يخرج عنه أحد ممن يتصف بالإيمان والعمل الصالح ( وتواصوا بالحق ) أي وصى بعضهم بعضا بالحق
الذي يحق القيام به ، وهو الإيمان بالله والتوحيد ، والقيام بما شرعه الله ، واجتناب ما نهى عنه . قال قتادة : بالحق :
أي بالقرآن ، وقيل بالتوحيد ، والحمل على العموم أولى ( وتواصوا بالصبر ) أي بالصبر عن معاصي الله سبحانه
والصبر على فرائضه . وفي جعل التواصي بالصبر قريبا للتواصي بالحق دليل على عظيم قدره وفخامة شرفه ،
ومزيد ثواب الصابرين على ما يحق الصبر عليه - إن الله مع الصابرين - وأيضا التواصي بالصبر مما يندرج تحت
التواصي بالحق ، فإفراده بالذكر وتخصيصه بالنص عليه من أعظم الأدلة الدالة على إنافته على خصال الحق ،
ومزيد شرفه عليها ، وارتفاع طبقته عنها .
وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( والعصر ) قال : الدهر . وأخرج ابن جرير عنه قال : هو
ساعة من ساعات النهار . وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال : هو ما قبل مغيب الشمس من العشى . وأخرج الفريابي
وأبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن علي بن أبي طالب
أنه كان يقرأ " والعصر ، ونوائب الدهر ، إن الإنسان لفي خسر ، وإنه فيه إلى آخر الدهر " . وأخرج عبد بن
حميد عن ابن مسعود أنه كان يقرأ : " والعصر إن الإنسان لفي خسر ، وإنه لفيه إلى آخر الدهر " اه .
تفسير سورة الهمزة
هي تسع آيات ، وهي مكية بلا خلاف
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : أنزلت ( ويل لكل همزة لمزة ) بمكة .
سورة الهمزة ( 1 - 9 )
الويل : هو مرتفع على الابتداء ، وسوغ الابتداء به مع كونه نكرة كونه دعاء عليهم ، وخبره ( لكل همزة لمزة )
والمعنى : خزي أو عذاب أو هلكة أو واد في جهنم لكل همزة لمزة . قال أبو عبيدة والزجاج : الهمزة اللمزة الذي
يغتاب الناس ، وعلى هذا هما بمعنى : وقال أبو العالية والحسن ومجاهد وعطاء بن أبي رباح : الهمزة الذي يغتاب
الرجل في وجهه ، واللمزة : الذي يغتابه من خلفه . وقال قتادة عكس هذا . وروى عن قتادة ومجاهد أيضا أن
الهمزة : الذي يغتاب الناس في أنسابهم . وروى عن مجاهد أيضا أن الهمزة : الذي يهمز الناس بيده ، واللمزة :
فتح القدير — صفحة 492
مساهمون: الشوكاني
ص٤٩٢