عما يفعلون . قيل والظن هنا بمعنى اليقين : أي لا يوقن أولئك ، ولو أيقنوا ما نقصوا الكيل والوزن ، وقيل الظن
على بابه ، والمعنى : إن كانوا لا يستيقنون البعث ، فهلا ظنوه حتى يتدبروا فيه ويبحثوا عنه ويتركوا ما يخشون
من عاقبته . واليوم العظيم هو يوم القيامة ، ووصفه بالعظم لكونه زمانا لتلك الأمور العظام من البعث والحساب
والعقاب ، ودخول أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار . ثم أخبر عن ذلك اليوم فقال ( يوم يقوم الناس لرب
العالمين ) انتصاب الظرف بمبعوثون المذكور قبله ، أو بفعل مقدر يدل عليه مبعوثون . أي يبعثون يوم يقوم
الناس ، أو على البدل من محل ليوم ، أو بإضمار أعني ، أو هو في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، أو في
محل جر على البدل من لفظ ليوم ، وإنما بنى على الفتح في هذين الوجهين لإضافته إلى الفعل . قال الزجاج : يوم
منصوب بقوله مبعوثون ، المعنى : ألا يظنون أنهم يبعثون يوم القيامة ، ومعنى يوم يقوم الناس : يوم يقومون من
قبورهم لأمر رب العالمين ، أو لجزائه ، أو لحسابه ، أو لحكمه وقضائه . وفي وصف اليوم بالعظم مع قيام الناس لله
خاضعين فيه ووصفه سبحانه بكونه رب العالمين دلالة على عظم ذنب التطفيف ، ومزيد إثمه وفظاعة عقابه . وقيل
المراد بقوله ( يوم يقوم الناس ) قيامهم في رشحهم إلى أنصاف آذانهم ، وقيل المراد قيامهم بما عليهم من حقوق
العباد ، وقيل المراد قيام الرسل بين يدي الله للقضاء ، والأول أولى . قوله ( كلا ) هي للردع والزجر للمطففين
الغافلين عن البعث وما بعده . ثم استأنف فقال ( إن كتاب الفجار لفي سجين ) وعند أبي حاتم أن كلا بمعنى حقا
متصلة بما بعدها على معنى : حقا إن كتاب الفجار لفي سجين ، وسجين هو ما فسره به سبحانه من قوله ( وما أدراك
ما سجين . كتاب مرقوم ) فأخبر بهذا أنه كتاب مرقوم : أي مسطور ، قيل هو كتاب جامع لأعمال الشر الصادر
من الشياطين والكفرة والفسقة ، ولفظ سجين علم له . وقال قتادة وسعيد بن جبير ومقاتل وكعب : إنه صخرة تحت
الأرض السابعة تقلب ، فيجعل كتاب الفجار تحتها ، وبه قال مجاهد ، فيكون في الكلام على هذا القول مضاف
محذوف ، والتقدير : محل كتاب مرقوم . وقال أبو عبيدة والأخفش والمبرد والزجاج ( لفي سجين ) لفي حبس
وضيق شديد ، والمعنى : كأنهم في حبس ، جعل ذلك دليلا على خساسة منزلتهم وهوانها . قال الواحدي : ذكر
قوم أن قوله ( كتاب مرقوم ) تفسير لسجين ، وهو بعيد لأنه ليس السجين من الكتاب في شئ على ما حكيناه
عن المفسرين ، والوجه أن يجعل بيانا لكتاب المذكور في قوله ( إن كتاب الفجار ) على تقدير هو كتاب مرقوم :
أي مكتوب قد بينت حروفه انتهى ، والأولى ما ذكرناه ، ويكون المعنى : إن كتاب الفجار الذين من جملتهم
المطففون : أي ما يكتب من أعمالهم أو كتابة أعمالهم لفي ذلك الكتاب المدون للقبائح المختص بالشر ، وهو سجين .
ثم ذكر ما يدل على تهويله وتعظيمه ، فقال ( وما أدراك ما سجين ) ثم بينه بقوله ( كتاب مرقوم ) . قال الزجاج :
معنى قوله ( وما أدراك ما سجين ) ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك . قال قتادة : ومعنى مرقوم : رقم لهم
بشر كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه كافر . وكذا قال مقاتل . وقد اختلفوا في نون سجين ، فقيل هي أصلية واشتقاقه
من السجن ، وهو الحبس ، وهو بناء مبالغة كخمير وسكير وفسيق ، من الخمر والسكر والفسق . وكذا قال
أبو عبيدة والمبرد والزجاج . قال الواحدي : وهذا ضعيف لأن العرب ما كانت تعرف سجينا . ويجاب عنه بأن
رواية هؤلاء الأئمة تقوم بها الحجة ، وتدل على أنه من لغة العرب ، ومنه قول ابن مقبل :
ورفقة يضربون البيض ضاحية * ضربا تواصت به الأبطال سجينا
وقيل النون بدل من اللام ، والأصل سجيل ، مشتقا من السجل ، وهو الكتاب . قال ابن عطية : من قال إن سجينا
موضع فكتاب مرفوع على أنه خبر إن ، والظرف وهو قوله ( لفي سجين ) ملغى ، ومن جعله عبارة عن الكتاب ،
فتح القدير — صفحة 399
مساهمون: الشوكاني
ص٣٩٩