قوله ( كلا ) للردع والزجر عما كانوا عليه ، والتكرير للتأكيد ، وجملة ( إن كتاب الأبرار لفي عليين )
مستأنفة لبيان ما تضمنته ، ويجوز أن يكون كلا بمعنى حقا ، والأبرار هم المطيعون ، وكتابهم صحائف حسناتهم .
قال الفراء : عليين ارتفاع بعد ارتفاع لا غاية له ، ووجه هذا أنه منقول من جمع على من العلو . قال الزجاج :
هو إعلاء الأمكنة . قال الفراء والزجاج : فأعرب كإعراب الجمع لأنه على لفظ الجمع ولا واحد له من لفظه نحو
ثلاثين وعشرين وقنسرين ، قيل هو علم لديوان الخير الذي دون فيه ما عمله الصالحون . وحكى الواحدي عن
المفسرين أنه السماء السابعة . قال الضحاك ومجاهد وقتادة : يعني السماء السابعة فيها أرواح المؤمنين . وقال الضحاك :
هو سدرة المنتهى ينتهي إليه كل شئ من أمر الله لا يعدوها ، وقيل هو الجنة . وقال قتادة أيضا : هو فوق السماء
السابعة عند قائمة العرش اليمنى ، وقيل إن عليين صفة للملائكة فإنهم في الملأ الأعلى كما يقال فلان في بني فلان :
أي في جملتهم ( وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم ) أي وما أعلمك يا محمد أي شئ عليون على جهة التفخيم والتعظيم
لعليين ، ثم فسره فقال ( كتاب مرقوم ) أي مسطور ، والكلام في هذا كالكلام المتقدم في قوله ( وما أدراك ما سجين
كتاب مرقوم ) وجملة ( يشهده المقربون ) صفة أخرى لكتاب ، والمعنى : أن الملائكة يحضرون ذلك الكتاب
المرقوم ، وقيل يشهدون بما فيه يوم القيامة . قال وهب وابن إسحاق : المقربون هنا إسرافيل ، فإذا عمل المؤمن عمل
البر صعدت الملائكة بالصحيفة ولها نور يتلألأ في السماوات كنور الشمس في الأرض حتى تنتهي بها إلى إسرافيل
فيختم عليها . ثم ذكر سبحانه حالهم في الجنة بعد ذكر كتابهم فقال ( إن الأبرار لفي نعيم ) أي إن أهل الطاعة لفي
تنعم عظيم لا يقادر قدره ( على الأرائك ينظرون ) الأرائك : الأسرة التي في الحجال ، وقد تقدم أنها لا تطلق
الأريكة على السرير إلا إذا كان في حجلة . قال الحسن : ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن ،
فزعم أن الأريكة عندهم الحجلة إذا كان فيها سرير . ومعنى ( ينظرون ) أنهم ينظرون إلى ما أعد الله لهم من
الكرامات ، كذا قال عكرمة ومجاهد وغيرهما . وقال مقاتل : ينظرون إلى أهل النار ، وقيل ينظرون إلى وجهه
وجلاله ( تعرف في وجوههم نضرة النعيم ) أي إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة لما تراه في وجوههم من النور
والحسن والبياض والبهجة والرونق ، والخطاب لكل راء يصلح لذلك ، يقال أنضر النبات : إذا أزهر ونور . قال
عطاء : وذلك أن الله زاد في جمالهم وفي ألوانهم مالا يصفه واصف . قرأ الجمهور " تعرف " بفتح الفوقية وكسر
الراء ، ونصب نضرة ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ويعقوب وشيبة وطلحة وابن أبي إسحاق بضم الفوقية وفتح الراء
على البناء للمفعول ، ورفع نضرة بالنيابة ( يسقون من رحيق مختوم ) قال أبو عبيدة والأخفش والمبرد والزجاج :
الرحيق من الخمر مالا غش فيه ولا شئ يفسده ، والمختوم الذي له ختام . وقال الخليل : الرحيق أجود الخمر
وفي الصحاح الرحيق صفرة الخمر . وقال مجاهد : هو الخمر العتيقة البيضاء الصافية ، ومنه قول حسان :
يسقون من ورد البريص عليهم * بردى يصفق بالرحيق السلسل
قال مجاهد ( مختوم ) مطين كأنه ذهب إلى معنى الختم بالطين ، ويكون المعنى : أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى
أن يفك ختمه للأبرار . وقال سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي : ختامه آخر طعمه ، وهو معنى قوله ( ختامه مسك )
أي آخر طعمه ريح المسك إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك . وقيل مختوم أوانيه من
الأكواب والأباريق بمسك مكان الطين ، وكأنه تمثيل لكمال نفاسته وطيب رائحته . والحاصل أن المختوم والختام
فتح القدير — صفحة 402
مساهمون: الشوكاني
ص٤٠٢