الجنة أزلفت ) أي قربت إلى المتقين وأدنيت منهم . قال الحسن : إنهم يقربون منها لا أنها تزول عن موضعها .
وقال ابن زيد : معنى أزلفت تزينت . والأول أولى لأن الزلفى في كلام العرب القرب . قيل هذه الأمور الاثنا عشر :
ست منها في الدنيا ، وهي من أول السورة إلى قوله ( وإذا البحار سجرت ) ، وست في الآخرة وهي ( وإذا
النفوس زوجت ) إلى هنا ، وجواب الجميع قوله ( علمت نفس ما أحضرت ) على أن المراد الزمان الممتد من الدنيا
إلى الآخرة ، لكن لا بمعنى أنها تعلم ما تعلم في كل جزء من أجزاء هذا الوقت الممتد ، بل المراد علمت ما أحضرته
عند نشر الصحف : يعنى ما عملت من خير أو شر ، ومعنى ما أحضرت : ما أحضرت من أعمالها ، والمراد حضور
صحائف الأعمال ، أو حضور الأعمال نفسها ، كما ورد أن الأعمال تصور بصور تدل عليها وتعرف بها ، وتنكير
نفس المفيد لثبوت العلم المذكور لفرد من النفوس ، أو لبعض منها للإيذان بأن ثبوته لجميع أفرادها من الظهور
والوضوح بحيث لا يخفى على أحد ، ويدل على هذا قوله - يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا - وقيل
يجوز أن يكون ذلك للإشعار بأنه إذا علمت حينئذ نفس من النفوس ما أحضرت وجب على كل نفس إصلاح
عملها مخافة أن تكون هي تلك التي علمت ما أحضرت ، فكيف وكل نفس تعلمه على طريقة قولك لمن تنصحه
لعلك ستندم على ما فعلت ، وربما ندم الإنسان على فعله ( فلا أقسم بالخنس ) لا زائدة كما تقدم تحقيقه وتحقيق
ما فيه من الأقوال في أول سورة القيامة : أي فأقسم بالخنس ، وهي الكواكب ، وسميت الخنس ، من خنس :
إذا تأخر لأنها تخنس بالنهار فتخفى ولا ترى ، وهي زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد كما ذكره أهل
التفسير . ووجه تخصيصها بالذكر من بين سائر النجوم أنها تستقبل الشمس وتقطع المجرة . وقال في الصحاح :
الخنس الكواكب كلها ، لأنها تخنس في المغيب ، أو لأنها تخفى نهارا ، أو يقال هي الكواكب السيارة منها دون
الثابتة . قال الفراء : إنها الكواكب الخمسة المذكورة ، لأنها تخنس في مجراها ، وتكنس : أي تستتر كما تكنس
الظباء في المغار ، ويقال سميت خنسا لتأخرها ، لأنها الكواكب المتحيرة التي ترجع وتستقيم . يقال خنس عنه
يخنس خنوسا إذا تأخر . وأخنسه غيره : إذا خلفه ومضى عنه ، والخنس : تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع
قليل في الأرنبة ، ومعنى ( الجوار ) أنها تجرى مع الشمس والقمر ، ومعنى ( الكنس ) أنها ترجع حتى تخفى تحت
ضوء الشمس ، فخنوسها رجوعها ، وكنوسها اختفاؤها تحت ضوئها ، وقيل خنوسها خفاؤها بالنهار ، وكنوسها
غروبها . قال الحسن وقتادة : هي النجوم التي تخنس بالنهار وإذا غربت ، والمعنى متقارب لأنها تتأخر في النهار
عن البصر لخفائها فلا ترى ، وتظهر بالليل وتكنس في وقت غروبها . وقيل المراد بها بقر الوحش لأنها تتصف
بالخنس وبالجوار وبالكنس . وقال عكرمة : الخنس البقر والكنس الظباء ، فهي تخنس إذا رأت الإنسان وتنقبض
وتتأخر وتدخل كناسها . وقيل هي الملائكة . والأول أولى لذكر الليل والصبح بعد هذا ، والكنس مأخوذ من
الكناس الذي يختفي فيه الوحش ، والخنس جمع خانس وخانسة ، والكنس جمع كانس وكانسة ( والليل إذا
عسعس ) قال أهل اللغة : هو من الأضداد ، يقال عسعس الليل : إذا أقبل ، وعسعس : إذا أدبر ، ويدل على
أن المراد هنا أدبر قوله ( والصبح إذا تنفس ) قال الفراء : أجمع المفسرون على أن معنى عسعس أدبر ، كذا حكاه
عنه الجوهري ، وقال الحسن : أقبل بظلامه . قال الفراء : العرب تقول عسعس الليل : إذا أقبل ، وعسعس
الليل : إذا أدبر ، وهذا لا ينافي ما تقدم عنه ، لأنه حكى عن المفسرين أنهم أجمعوا على حمل معناه في هذه الآية على
فتح القدير — صفحة 390
مساهمون: الشوكاني
ص٣٩٠