نحن بنو جعدة أصحاب العلج * نضرب بالسيف ونرجو بالفرج
وقيل ليست الباء زائدة ، والمفتون مصدر جاء على مفعول ، كالمعقول والميسور ، والتقدير : بأيكم الفتون
أو الفتنة ، ومنه قول الشاعر الراعي :
حتى إذا لم يتركوا لعظامه * لحما ولا لفؤاده معقولا
أي عقلا . وقال الفراء : إن الباء بمعنى في : أي في أيكم المفتون ، أفي الفريق الذي أنت فيه ، أم في الفريق الآخر ؟
ويؤيد هذا قراءة ابن أبي عبلة في أيكم المفتون ، وقيل الكلام على حذف مضاف : أي بأيكم فتن المفتون ، فحذف
المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، روى هذا عن الأخفش أيضا . وقيل المفتون المعذب ، من قول العرب فتنت
الذهب بالنار إذا أحميته ، ومنه قوله - يوم هم على النار يفتنون - ، وقيل المفتون هو الشيطان ، لأنه مفتون في دينه ،
والمعنى : بأيكم الشيطان . وقال قتادة : هذا وعيد لهم بعذاب يوم بدر ، والمعنى : سترى ويرى أهل مكة إذا
نزل بهم العذاب ببدر بأيكم المفتون ، وجملة ( إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ) تعليل للجملة التي
قبلها ، فإنها تتضمن الحكم عليهم بالجنون لمخالفتهم لما فيه نفعهم في العاجل والآجل ، واختيارهم ما فيه ضرهم
فيهما ، والمعنى : هو أعلم بمن ضل عن سبيله الموصل إلى سعادة الدارين ( وهو أعلم بالمهتدين ) إلى سبيله الموصل
إلى تلك السعادة الآجلة والعاجلة ، فهو مجاز كل عامل بعمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ( فلا تطع المكذبين )
نهاه سبحانه عن ممايلة المشركين ، وهم رؤساء كفار مكة ، لأنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه ، فنهاه الله عن
طاعتهم ، أو هو تعريض بغيره عن أن يطيع الكفار ، أو المراد بالطاعة مجرد المداراة بإظهار خلاف ما في الضمير ،
فنهاه الله عن ذلك كما يدل عليه قوله ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) فإن الإدهان هو الملاينة والمسامحة والمداراة .
قال الفراء : المعنى لو تلين فيلينوا لك ، وكذا قال الكلبي . وقال الضحاك والسدي : ودوا لو تكفر فيتمادوا على
الكفر . وقال الربيع بن أنس : ودوا لو تكذب فيكذبون . وقال قتادة : ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبون
معك . وقال الحسن : ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك . وقال مجاهد : ودوا لو تركن إليهم وتترك
ما أنت عليه من الحق فيما يلونك . قال ابن قتيبة : كانوا أرادوه على أن يعبد آلهتهم مدة ، ويعبدوا الله مدة ،
وقوله " فيدهنون " عطف على تدهن داخل في حيز لو ، أو هو خبر مبتدإ محذوف : أي فهم يدهنون . قال
سيبويه : وزعم قالون أنها في بعض المصاحف " ودوا لو تدهن فيدهنوا " بدون نون ، والنصب على جواب التمني
المفهوم من ودوا ، والظاهر من اللغة في معنى الإدهان هو ما ذكرناه أولا ( ولا تطع كل حلاف ) أي كثير
الحلف بالباطل ( مهين ) فعيل من المهانة ، وهي القلة في الرأي والتمييز . وقال مجاهد : هو الكذاب . وقال قتادة :
المكثار في الشر ، وكذا قال الحسن . وقيل هو الفاجر العاجز ، وقيل هو الحقير عند الله ، وقيل هو الذليل ،
وقيل هو الوضيع ( هماز مشاء بنميم ) الهماز المغتاب للناس . قال ابن زيد : هو الذي يهمز بأخيه ، وقيل الهماز
الذي يذكر الناس فئ وجوههم ، واللماز الذي يذكرهم في مغيبهم ، كذا قال أبو العالية والحسن وعطاء بن
أبي رباح ، وقال مقاتل عكس هذا . والمشاء بنميم : الذي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم ، يقال نم ينم :
إذا سعى بالفساد بين الناس ، ومنه قول الشاعر :
ومولى كبيت النمل لا خير عنده * لمولاه إلا سعيه بنميم
وقيل النميم جمع نميمة ( مناع للخير ) أي بخيل بالمال لا ينفقه في وجهه ، وقيل هو الذي يمنع أهله وعشيرته عن
فتح القدير — صفحة 268
مساهمون: الشوكاني
ص٢٦٨