أخرى تحبونها في العاجل مع ثواب الآخرة ، وقيل هي في محل رفع : أي ولكم خصلة أخرى ، وقيل في محل
نصب : أي ويعطيكم خصلة أخرى . ثم بين سبحانه هذه الأخرى فقال ( نصر من الله وفتح قريب ) أي هي نصر
من الله لكم ، وفتح قريب يفتحه عليكم ، وقيل نصر بدل من أخرى على تقدير كونها في محل رفع ، وقيل
التقدير : ولكم نصر وفتح قريب . قال الكلبي : يعني النصر على قريش وفتح مكة . وقال عطاء : يريد فتح
فارس والروم ( وبشر المؤمنين ) معطوف على محذوف : أي قل يا أيها الذين آمنوا وبشر ، أو على تؤمنون لأنه
في معنى الأمر ، والمعنى : وبشر يا محمد المؤمنين بالنصر والفتح ، أو بشرهم بالنصر في الدنيا والفتح ، وبالجنة في
الآخرة ، أو وبشرهم بالجنة في الآخرة . ثم حض سبحانه المؤمنين على نصرة دينه فقال ( يا أيها الذين آمنوا كونوا
أنصار الله ) أي دوموا على ما أنتم عليه من نصرة الدين . قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع " أنصار الله " بالتنوين وترك
الإضافة . وقرأ الباقون بالإضافة ، والرسم يحتمل القراءتين معا ، واختار أبو عبيد قراءة الإضافة لقوله " نحن أنصار
الله " بالإضافة ( كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله ) أي انصروا دين الله مثل نصرة الحواريين
لما قال لهم عيسى ( من أنصاري إلى الله ) فقالوا ( نحن أنصار الله ) والكاف في " كما قال " نعت مصدر محذوف
تقديره : كونوا كونا كما قال ، وقيل الكاف في محل نصب على إضمار الفعل ، وقيل هو كلام محمول على معناه
دون لفظه ، والمعنى : كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم من أنصاري إلى الله ،
وقوله ( إلى الله ) قيل إلى بمعنى مع : أي من أنصاري مع الله ، وقيل التقدير : من أنصاري فيما يقرب إلى الله .
وقيل التقدير : من أنصاري متوجها إلى نصرة الله ، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة آل عمران . والحواريون
هم أنصار المسيح وخلص أصحابه ، وأول من آمن به ، وقد تقدم بيانهم ( فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت
طائفة ) أي آمنت طائفة بعيسى وكفرت به طائفة ، وذلك لأنهم لما اختلفوا بعد رفعه تفرقوا وتقاتلوا ( فأيدنا الذين
آمنوا على عدوهم ) أي قوينا المحقين منهم على المبطلين ( فأصبحوا ظاهرين ) أي عالين غالبين ، وقيل المعنى :
فأيدنا الآن المسلمين على الفرقتين جميعا .
وقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : قالوا : لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى الله ؟ فنزلت
( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ) فكرهوا فنزلت - يا أيها الذين آمنوا
لم تقولون مالا تفعلون - إلى قوله - بنيان مرصوص - . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن
قتادة في قوله ( يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله ) قال : قد كان ذلك بحمد الله جاءه سبعون رجلا فبايعوه عند
العقبة وآووه ونصروه حتى أظهر الله دينه . وأخرج ابن إسحاق وابن سعد عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للنفر الذين لقوه بالعقبة " أخرجوا إلى أثني عشر منكم
يكونون كفلاء على قومهم كما كفلت الحواريون لعيسى ابن مريم " . وأخرج ابن سعد عن محمود بن لبيد قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للنقباء " إنكم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم ،
وأنا كفيل قومي ، قالوا نعم " . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ( فأيدنا الذين آمنوا ) قال : فقوينا الذين آمنوا .
وأخرج ابن أبي حاتم عنه فأيدنا الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته على عدوهم فأصبحوا اليوم
ظاهرين .
فتح القدير — صفحة 223
مساهمون: الشوكاني
ص٢٢٣