سورة الصف ( 10 - 14 )
قوله ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ) جعل العمل المذكور بمنزلة التجارة
لأنهم يربحون فيه كما يربحون فيها ، وذلك بدخولهم الجنة ونجاتهم من النار . قرأ الجمهور " تنجيكم " بالتخفيف
من الإنجاء . وقرأ الحسن وابن عامر وأبو حيوه بالتشديد من التنجية . ثم بين سبحانه هذه التجارة التي دل عليها
فقال ( تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) وهو خبر في معنى الأمر للإيذان بوجوب
الامتثال فكأنه قد وقع فأخبر بوقوعه ، وقدم ذكر الأموال على الأنفس لأنها هي التي يبدأ بها في الإنفاق والتجهز
إلى الجهاد . قرأ الجمهور " تؤمنون " وقرأ ابن مسعود " آمنوا وجاهدوا " على الأمر . قال الأخفش : تؤمنون
عطف بيان لتجارة ، والأولى أن تكون الجملة مستأنفة مبينة لما قبلها ، والإشارة بقوله ( ذلكم ) إلى ما ذكر من
الإيمان والجهاد ، وهو مبتدأ وخبره ( خير لكم ) أي هذا الفعل خير لكم من أموالكم وأنفسكم ( إن كنتم تعلمون )
أي إن كنتم ممن يعلم فإنكم تعلمون أنه خير لكم ، لا إذا كنتم من أهل الجهل فإنكم لا تعلمون ذلك ( يغفر لكم
ذنوبكم ) هذا جواب الأمر المدلول عليه بلفظ الخبر ، ولهذا جزم . قال الزجاج والمبرد : قوله " تؤمنون "
في معنى آمنوا ، ولذلك جاء يغفر لكم مجزوما . وقال الفراء : يغفر لكم جواب الاستفهام فجعله مجزوما لكونه
جواب الاستفهام ، وقد غلطه بعض أهل العلم . قال الزجاج : ليسوا إذا دلهم على ما ينفعهم يغفر لهم إنما يغفر لهم
إذا آمنوا وجاهدوا . وقال الرازي في توجيه قول الفراء : إن هل أدلكم في معنى الأمر عنده ، يقال هل أنت
ساكت : أي اسكت ، وبيانه أن هل بمعنى الاستفهام ، ثم يتدرج إلى أن يصير عرضا وحثا ، والحث كالإغراء ،
والإغراء أمر . وقرأ زيد بن علي " تؤمنوا ، وتجاهدوا " على إضمار لام الأمر . وقيل إن " يغفر لكم " مجزوم بشرط
مقدر : أي إن تؤمنوا يغفر لكم ، وقرأ بعضهم بالإدغام في يغفر لكم ، والأولى ترك الإدغام لأن الراء حرف
متكرر فلا يحسن إدغامه في اللام ( ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ) قد تقدم بيان كيفية جرى الأنهار من
تحت الجنات ( ومساكن طيبة في جنات عدن ) أي في جنات إقامة ( ذلك الفوز العظيم ) أي ذلك المذكور من
المغفرة ، وإدخال الجنات الموصوفة بما ذكر هو الفوز الذي لا فوز بعده ، والظفر الذي لا ظفر يماثله ( وأخرى
تحبونها ) . قال الأخفش والفراء : أخرى معطوفة على تجارة فهي في محل خفض : أي وهل أدلكم على خصلة
فتح القدير — صفحة 222
مساهمون: الشوكاني
ص٢٢٢