من دون الناس ) المراد بالذين هادوا الذين تهودوا ، وذلك أن اليهود ادعوا الفضيلة على الناس ، وأنهم أولياء الله
من دون الناس ، كما في قولهم - نحن أبناء الله وأحباؤه - وقولهم - لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى -
فأمر الله سبحانه رسوله أن يقول لهم لما ادعوا هذه الدعوى الباطلة ( فتمنوا الموت ) لتصيروا إلى ما تصيرون إليه
من الكرامة في زعمكم ( إن كنتم صادقين ) في هذا الزعم ، فإن من علم أنه من أهل الجنة أحب الخلوص من هذه
الدار . قرأ الجمهور " فتمنوا " بضم الواو ، وقرأ ابن السميفع بفتحها تخفيفا ، وحكى الكسائي إبدال الواو همزة .
ثم أخبر الله سبحانه أنهم لا يفعلون ذلك أبدا بسبب ذنوبهم فقال ( ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم ) أي بسبب
ما عملوا من الكفر والمعاصي والتحريف والتبديل ( والله عليم بالظالمين ) يعني على العموم ، وهؤلاء اليهود داخلون فيهم
دخولا أوليا . ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يقول لهم بأن الفرار من الموت لا ينجيهم وأنه نازل بهم فقال ( قل إن
الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ) لا محالة ونازل بكم بلا شك ، والفاء في قوله " فإنه " داخلة لتضمن الاسم
معنى الشرط ، وقال الزجاج : لا يقال إن زيدا فمنطلق ، وها هنا قال : فإنه ملاقيكم لما في معنى الذي من الشرط
والجزاء : أي إن فررتم منه فإنه ملاقيكم ، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه ، وقيل إنها مزيدة ،
وقيل إن الكلام قد تم عند قوله " تفرون منه " ثم ابتدأ فقال " فإنه ملاقيكم " ( ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة )
وذلك يوم القيامة ( فينبئكم بما كنتم تعملون ) من الأعمال القبيحة ويجازيكم عليها .
وقد أخرج ابن المنذر والحاكم والبيهقي في الشعب عن عطاء بن السائب عن ميسرة أن هذه الآية مكتوبة في
التوراة بسبعمائة آية ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم ) أول سورة الجمعة .
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إنا أمة أمية لا نكتب ولا
نحسب " وأخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة قال " كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين نزلت
سورة الجمعة فتلاها ، فلما بلغ ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) قال له رجل : يا رسول الله من هؤلاء الذين لم
يلحقوا بنا ؟ فوضع يده على سلمان الفارسي وقال : والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من
هؤلاء " . وأخرجه أيضا مسلم من حديثه مرفوعا بلفظ " لو كان الإيمان عند الثريا لذهب به رجال من فارس ، أو
قال من أبناء فارس " . وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم قال " لو كان الإيمان بالثريا لناله ناس من أهل فارس " . وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء
عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن في أصلاب أصلاب رجال من
أصحابي رجالا ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب ، ثم قرأ ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز
الحكيم ) " . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) قال : الدين . وأخرج عبد
ابن حميد من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ) قال : اليهود . وأخرج ابن
المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( أسفارا ) قال : كتبا .
سورة الجمعة ( 9 - 11 )
فتح القدير — صفحة 226
مساهمون: الشوكاني
ص٢٢٦