وبين أنبيائهم ، قرأ الجمهور " الأمد " بتخفيف الدال ، وقرأ ابن كثير في رواية عنه بتشديدها : أي الزمن الطويل ،
وقيل المراد بالأمد على القراءة الأولى الأجل والغاية ، يقال أمد فلان كذا : أي غايته ( فقست قلوبهم ) بذلك السبب ،
فلذلك حرفوا وبدلوا ، فنهى الله سبحانه أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يكونوا مثلهم ( وكثير منهم
فاسقون ) أي خارجون عن طاعة الله لأنهم تركوا العمل بما أنزل إليهم ، وحرفوا وبدلوا ولم يؤمنوا بما نزل على
محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل هم الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل هم
الذين ابتدعوا الرهبانية ، وهم أصحاب الصوامع ( اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها ) فهو قادر على أن يبعث
الأجسام بعد موتها ، ويلين القلوب بعد قسوتها ( قد بينا لكم الآيات ) التي من جملتها هذه الآيات ( لعلكم تعقلون )
أي كي تعقلوا ما تضمنته من المواعظ وتعملوا بموجب ذلك ( إن المصدقين والمصدقات ) قرأ الجمهور بتشديد
الصاد في الموضعين من الصدقة ، وأصله المتصدقين والمتصدقات ، فأدغمت الياء في الصاد . وقرأ أبي " المتصدقين
والمتصدقات " بإثبات التاء على الأصل . وقرأ ابن كثير بتخفيف الصاد من التصديق : أي صدقوا رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به ( وأقرضوا الله قرضا حسنا ) معطوف على اسم الفاعل في المصدقين لأنه لما
وقع صلة للألف واللام الموصولة حل محل الفعل ، فكأنه قال : إن الذين تصدقوا وأقرضوا كذا قال أبو علي
الفارسي وغيره . وقيل جملة وأقرضوا معترضة بين اسم إن وخبرها ، وهو - يضاعف - وقيل هي صلة لموصول
محذوف : أي والذين أقرضوا ، والقرض الحسن عبارة عن التصدق والإنفاق في سبيل الله مع خلوص نية وصحة
قصد واحتساب أجر . قرأ الجمهور ( يضاعف لهم ) بفتح العين على البناء للمفعول ، والقائم مقام الفاعل إما الجار
والمجرور أو ضمير يرجع إلى المصدقين على حذف مضاف : أي ثوابهم ، وقرأ الأعمش " يضاعفه " بكسر العين
وزيادة الهاء . وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب " يضعف " بتشديد العين وفتحها ( ولهم أجر كريم ) وهو الجنة ،
والمضاعفة هنا أن الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ( والذين آمنوا بالله ورسله ) جميعا ، والإشارة بقوله
( أولئك ) إلى الموصول ، وخبره قوله ( هم الصديقون والشهداء ) والجملة خبر الموصول . قال مجاهد : كل من
آمن بالله ورسله فهو صديق . قال المقاتلان : هم الذين لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم ولم يكذبوهم . وقال
مجاهد : هذه الآية للشهداء خاصة ، وهم الأنبياء الذين يشهدون للأمم وعليهم ، واختار هذا الفراء والزجاج .
وقال مقاتل بن سليمان : هم الذين استشهدوا في سبيل الله ، وكذا قال ابن جرير ، وقيل هم أمم الرسل يشهدون يوم
القيامة لأنبيائهم بالتبليغ ، والظاهر أن معنى الآية : إن الذين آمنوا بالله ورسله جميعا بمنزلة الصديقين والشهداء
المشهورين بعلو الدرجة عند الله ، وقيل إن الصديقين هم المبالغون في الصدق حيث آمنوا بالله وصدقوا جميع
رسله ، والقائمون لله سبحانه بالتوحيد . ثم بين سبحانه ما لهم من الخير بسبب ما اتصفوا به من الإيمان بالله ورسله
فقال ( لهم أجرهم ونورهم ) والضمير الأول راجع إلى الموصول ، والضميران الأخيران راجعان إلى الصديقين
والشهداء : أي لهم مثل أجرهم ونورهم ، وأما على قول من قال : إن الذين آمنوا بالله ورسله هم نفس الصديقين
والشهداء ، فالضمائر الثلاثة كلها راجعة إلى شئ واحد ، والمعنى : لهم الأجر والنور الموعودان لهم . ثم لما ذكر
حال المؤمنين وثوابهم ذكر حال الكافرين وعقابهم فقال ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ) أي جمعوا بين الكفر
وتكذيب الآيات ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى الموصول باعتبار ما في صلته من اتصافهم بالكفر والتكذيب ،
وهذا مبتدأ وخبره ( أصحاب الجحيم ) يعذبون بها ولا أجر لهم ولا نور ، بل عذاب مقيم وظلمة دائمة .
فتح القدير — صفحة 173
مساهمون: الشوكاني
ص١٧٣