التفسير ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبلناه وآمنا به ، وإلا فلا كرامة ولا قبول . وأخرج البيهقي
في الشعب عن ابن عباس في قوله ( ولكنكم فتنتم أنفسكم ) قال : بالشهوات واللذات ( وتربصتم ) قال : بالتوبة
( وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ) قال : الموت ( وغركم بالله الغرور ) قال : الشيطان .
سورة الحديد من 16 - 19
قوله ( ألم يأن للذين آمنوا ) يقال أنى لك يأنى أنى : إذا حان . قرأ الجمهور " ألم يأن " وقرأ الحسن وأبو السماك
" ألما يأن " وأنشد ابن السكيت :
ألما يأن لي أن تجلى عمايتي * وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا *
و ( أن تخشع قلوبهم ) فاعل يأن : أي ألم يحضر خشوع قلوبهم ويجئ وقته ، ومنه قول الشاعر :
ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا * وأن يحدث الشيب المنير لنا عقلا
هذه الآية نزلت في المؤمنين . قال الحسن : يستبطئهم وهم أحب خلقه إليه . وقيل إن الخطاب لمن آمن بموسى
وعيسى دون محمد . قال الزجاج : نزلت في طائفة من المؤمنين ، حثوا على الرقة والخشوع ، فأما من وصفهم الله
بالرقة والخشوع فطبقة فوق هؤلاء . وقال السدى وغيره : المعنى ألم يأن للذين آمنوا في الظاهر وأسروا الكفر أن تخشع
قلوبهم ( لذكر الله ) وسيأتي في آخر البحث ما يقوى قول من قال إنها نزلت في المسلمين ، والخشوع لين القلب
ورقته . والمعنى : أنه ينبغي أن يورثهم الذكر خشوعا ورقة ، ولا يكونوا كمن لا يلين قلبه للذكر ولا يخشع له
( وما نزل من الحق ) معطوف على ذكر الله ، والمراد بما نزل من الحق القرآن ، فيحمل الذكر المعطوف عليه على
ما عداه مما فيه ذكر الله سبحانه باللسان ، أو خطور بالقلب ، وقيل المراد بالذكر هو القرآن ، فيكون هذا العطف
من باب عطف التفسير ، أو باعتبار تغاير المفهومين . قرأ الجمهور " نزل " مشددا مبنيا للفاعل . وقرأ نافع وحفص
بالتخفيف مبنيا للفاعل . وقرأ الجحدري وأبو جعفر والأعمش وأبو عمرو في رواية عنه مشددا مبنيا للمفعول . وقرأ ابن
مسعود " أنزل " مبنيا للفاعل ( ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل ) قرأ الجمهور بالتحتية على الغيبة جريا على
ما تقدم . وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة بالفوقية على الحساب التفاتا ، وبها قرأ عيسى وابن إسحاق ، والجملة
معطوفة على تخشع : أي ألم يأن لهم أن تخشع قلوبهم ولا يكونوا ، والمعنى : النهى لهم عن أن يسلكوا سبيل اليهود
والنصارى الذين أوتوا التوراة والإنجيل من قبل نزول القرآن ( فطال عليهم الأمد ) أي طال عليهم الزمان بينهم
فتح القدير — صفحة 172
مساهمون: الشوكاني
ص١٧٢