وعناد وشدة كذا قال الفراء وغيره . وقال أبو عبيدة : هو جمع سعير ، وهو لهب النار ، والسعر : الجنون يذهب
كذا وكذا لما يلتهب به من الحدة . وقال مجاهد : وسعر وبعد عن الحق . وقال السدي : في احتراق ، وقيل
المراد به هنا الجنون ، من قولهم : ناقة مسعورة : أي كأنها من شدة نشاطها مجنونة ، ومنه قول الشاعر يصف ناقة :
تخال بها سعرا إذ السعر هزها * ذميل وإيقاع من السير متعب
ثم كرروا الإنكار والاستبعاد فقالوا ( أألقى الذكر عليه من بيننا ) أي كيف خص من بيننا بالوحي والنبوة ،
وفينا من هو أحق بذلك منه ؟ ثم أضربوا عن الاستنكار وانتقلوا إلى الجزم بكونه كذابا أشرا فقالوا ( بل هو
كذاب أشر ) والأشر : المرح والنشاط ، أو البطر والتكبر ، وتفسيره بالبطر والتكبر أنسب بالمقام ، ومنه قول
الشاعر : أشرتم بلبس الخز لما لبستم * ومن قبل لا تدرون من فتح القرى *
قرأ الجمهور " أشر " كفرح . وقرأ أبو قلابة وأبو جعفر بفتح الشين وتشديد الراء على أنه أفعل تفضيل .
ونقل الكسائي عن مجاهد أنه قرأ بضم الشين مع فتح الهمزة . ثم أجاب سبحانه عليهم بقوله ( سيعلمون غدا من
الكذاب الأشر ) والمراد بقوله غدا وقت نزول العذاب بهم في الدنيا ، أو في يوم القيامة جريا على عادة الناس في
التعبير بالغد عن المستقبل من الأمر وإن بعد ، كما في قولهم : إن مع اليوم غدا ، وكما في قول الحطيئة :
للموت فيها سهام غير مخطئة * من لم يكن ميتا في اليوم مات غدا
ومنه قول أبي الطماح :
ألا عللاني قبل نوح النوائح * وقبل اضطراب النفس بين الجوانح *
وقبل غد يا لهف نفسي على غد * إذا راح أصحابي ولست برائح *
قرأ الجمهور " سيعلمون " بالتحتية إخبار من الله سبحانه لصالح عن وقوع العذاب عليهم بعد مدة . وقرأ
أبو عمرو وابن عامر وحمزة بالفوقية على أنه خطاب من صالح لقومه ، وجملة ( إنا مرسلوا الناقة ) مستأنفة لبيان ما تقدم
إجماله من الوعيد : أي إنا مخرجوها من الصخرة على حسب ما اقترحوه ( فتنة لهم ) أي ابتلاء وامتحانا ، وانتصاب
فتنة على العلة ( فارتقبهم ) أي انتظر ما يصنعون ( واصطبر ) على ما يصيبك من الأذى منهم ( ونبئهم أن الماء قسمة
بينهم ) أي بين ثمود وبين الناقة ، لها يوم ولهم يوم ، كما في قوله - لها شرب ولكم شرب يوم معلوم - وقال " نبئهم "
بضمير العقلاء تغليبا ( كل شرب محتضر ) الشرب بكسر الشين الحظ من الماء . ومعنى محتضر : أنه يحضره من
هو له ، فالناقة تحضره يوما وهم يحضرونه يوما . قال مجاهد : إن ثمود يحضرون الماء يوم نوبتهم ، فيشربون
ويحضرون يوم نوبتها فيحتلبون . قرأ الجمهور " قسمة " بكسر القاف بمعنى مقسوم ، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه
بفتحها ) ( فنادوا صاحبهم ) أي نادى ثمود صاحبهم وهو قدار بن سالف عاقر الناقة يحضونه على عقرها ( فتعاطى
فعقر ) أي تناول الناقة بالعقر فعقرها ، أو اجترأ على تعاطي أسباب العقر فعقر . قال محمد بن إسحاق : كمن لها في
أصل شجرة على طريقها ، فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها ، ثم شد عليها بالسيف فكسر عرقوبها ثم نحرها ،
والتعاطي : تناول الشئ بتكلف ( فكيف كان عذابي ونذر ) قد تقدم تفسيره في هذه السورة . ثم بين ما أجمله من
العذاب فقال ( إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة ) قال عطاء : يريد صيحة جبريل ، وقد مضى بيان هذا في سورة
هود وفي الأعراف ( فكانوا كهشيم المحتضر ) قرأ الجمهور بكسر الظاء ، والهشيم : حطام الشجر ويابسه ، والمحتظر :
صاحب الحظيرة ، وهو الذي يتخذ لغنمه حظيرة تمنعها عن برد الريح ، يقال احتظر على غنمه : إذا جمع الشجر
ووضع بعضه فوق بعض . قال في الصحاح : والمحتظر : الذي يعمل الحظيرة . وقرأ الحسن وقتادة وأبو العالية بفتح
فتح القدير — صفحة 126
مساهمون: الشوكاني
ص١٢٦