قوله ( كذبت عاد ) هم قوم عاد ( فكيف كان عذابي ونذر ) أي فاسمعوا كيف كان عذابي لهم وإنذاري
إياهم ، ونذر مصدر بمعنى إنذار كما تقدم تحقيقه ، والاستفهام للتهويل والتعظيم ( إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا )
هذه الجملة مبينة لما أجمله سابقا من العذاب ، والصرصر شدة البرد : أي ريح شديدة البرد ، وقيل الصرصر شدة
الصوت ، وقد تقدم بيانه في سورة حم السجدة ( في يوم نحس مستمر ) أي دائم الشؤم استمر عليهم بنحوسه ،
وقد كانوا يتشاءمون بذلك اليوم . قال الزجاج : قيل في يوم الأربعاء في آخر الشهر . قرأ الجمهور " في يوم
نحس " بإضافة يوم إلى نحس مع سكون الحاء ، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ، أو على تقدير مضاف
أي في يوم عذاب نحس . وقرأ الحسن بتنوين يوم على أن نحس صفة له . وقرأ هارون بكسر الحاء . قال الضحاك :
كان ذلك اليوم مرا عليهم . وكذا حكى الكسائي عن قوم أنهم قالوا : هو من المرارة ، وقيل هو من المرة بمعنى القوة :
أي في يوم قوى الشؤم مستحكمه كالشئ المحكم القتل الذي لا يطاق نقضه ، والظاهر أنه من الاستمرار ، لا من
المرارة ولا من المرة : أي دام عليهم العذاب فيه حتى أهلكهم ، وشمل بهلاكه كبيرهم وصغيرهم ، وجملة ( تنزع
الناس ) في محل نصب على أنها صفة لريحا أو حال منها ، ويجوز أن يكون استئنافا : أي تقلعهم من الأرض من
تحت أقدامهم اقتلاع النخلة من أصلها . قال مجاهد : كانت تقلعهم من الأرض فترمي بهم على رؤوسهم فتدق
أعناقهم وتبين رؤوسهم من أجسادهم ، وقيل تنزع الناس من البيوت ، وقيل من قبورهم لأنهم حفروا حفائر
ودخلوها ( كأنهم أعجاز نخل منقعر ) الأعجاز جمع عجز ، وهو مؤخر الشئ ، والمنقعر : المنقطع المنقلع من
أصله ، يقال قعرت النخلة : إذا قلعتها من أصلها حتى تسقط . شبههم في طول قاماتهم حين صرعتهم الريح
وطرحتهم على وجوههم بالنخل الساقط على الأرض التي ليست لها رؤوس ، وذلك أن الريح قلعت رؤوسهم أولا ،
ثم كتبتهم على وجوههم وتذكير منقعر مع كونه صفة لأعجاز نخل وهي مؤنثه اعتبارا باللفظ ويجوز تأنيثه اعتبارا
بالمعنى كما قال - أعجاز نخل خاوية - قال المبرد : كل ما ورد عليك من هذا الباب إن شئت رددته إلى اللفظ تذكيرا
أو إلى المعنى تأنيثا . وقيل إن النخل والنخيل يذكر ويؤنث ( فكيف كان عذابي ونذر ) قد تقدم تفسيره قريبا ، وكذلك
قوله ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) ثم لما ذكر سبحانه تكذيب عاد أتبعه بتكذيب ثمود فقال ( كذبت
ثمود بالنذر ) يجوز أن يكون جمع نذير : أي كذبت بالرسل المرسلين إليهم ، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى
الإنذار : أي كذبت بالإنذار الذي أنذروا به ، وإنما كان تكذيبهم لرسولهم وهو صالح تكذيبا للرسل ، لأن من
كذب واحدا من الأنبياء فقد كذب سائرهم لاتفاقهم في الدعوة إلى كليات الشرائع ( فقالوا أبشرا منا واحدا
نتبعه ) الاستفهام لإنكار : أي كيف نتبع بشرا كائنا من جنسنا منفردا وحده لا متابع له على ما يدعوا إليه . قرأ
الجمهور بنصب " بشرا " على الاشتغال : أي أنتبع بشرا واحدا . وقرأ أبو السماك والداني وأبو الأشهب وابن
السميفع بالرفع على الابتداء ، وواحدا صفته ، ونتبعه خبره . وروى عن أبي السماك أنه قرأ برفع " بشرا " ونصب
" واحدا " على الحال ( إنا إذا لفي ضلال ) أي إنا إذا اتبعناه لفي خطأ وذهاب عن الحق ( وسعر ) أي عذاب
فتح القدير — صفحة 125
مساهمون: الشوكاني
ص١٢٥