تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
* نقرعه قرعا ولسنا نعتله * ومنه قول الفرزدق يهجو جريرا : * حتى ترد إلى عطية تعتل * قرأ الجمهور " فاعتلوه " بكسر التاء . وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بضمها ، وهما لغتان ( إلى سواء الجحيم ) أي إلى وسطه ، كقوله " فرآه في سواء الجحيم " ( ثم صبوا فوق رأسه عذاب الحميم ) من هي التبعيضية : أي صبوا فوق رأسه بعض هذا النوع ، وإضافة العذاب إلى الحميم للبيان : أي عذاب هو الحميم ، وهو الماء الشديد الحرارة كما تقدم ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) أي وقولوا له تهكما وتقريعا وتوبيخا : ذق إنك أنت العزيز الكريم . وقيل إن أبا جهل كان يزعم أنه أعز أهل الوادي وأكرمهم ، فيقولون له : ذق العذاب أيها المتعزز المتكرم في زعمك وفيما كنت تقوله . قرأ الجمهور " إنك " بكسر الهمزة ، وقرأ الكسائي وروي ذلك عن علي بفتحها أي لأنك . قال الفراء : أي بهذا القول الذي قلته في الدنيا ، والإشارة بقوله ( إن هذا ) إلى العذاب ( ما كنتم به تمترون ) أي تشكون فيه حين كنتم في الدنيا ، والجمع باعتبار جنس الأثيم . ثم ذكر سبحانه مستقر المتقين فقال ( إن المتقين في مقام أمين ) أي الذين اتقوا الكفر والمعاصي . قرأ الجمهور " مقام " بفتح الميم ، وقرأ نافع وابن عامر بضمها . فعلى القراءة الأولى هو موضع القيام ، وعلى القراءة الثانية هو موضع الإقامة قال الكسائي وغيره . وقال الجوهري : قد يكون كل واحد منهما بمعنى الإقامة ، وقد يكون بمعنى موضع القيام . ثم وصف المقام بأنه أمين يأمن صاحبه من جميع المخاوف ( في جنات وعيون ) بدل من مقام أمين ، أو بيان له ، أو خبر ثان ( يلبسون من سندس وإستبرق ) خبر ثان أو ثالث أو حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور ، والسندس مارق من الديباج ، والإستبرق ما غلظ منه ، وقد تقدم بيانه في سورة الكهف ، وانتصاب ( متقابلين ) على الحال من فاعل يلبسون : أي متقابلين في مجالسهم ينظر بعضهم إلى بعض ، والكاف في قوله ( كذلك ) إما نعت مصدر محذوف : أي نفعل بالمتقين فعلا كذلك . أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف : أي الأمر كذلك ( وزوجناهم بحور عين ) أي أكرمناهم بأن زوجناهم بحور عين ، والحور جمع حوراء : وهي البيضاء ، والعين جمع عيناء : وهي الواسعة العينين . وقال مجاهد : إنما سميت الحوراء حوراء ، لأنه يحار الطرف في حسنها ، وقيل هو من حور العين : وهو شدة بياض العين في شدة سوادها كذا قال أبو عبيدة . وقال الأصمعي : ما أدري ما الحور في العين . قال أبو عمرو : الحور أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر ، قال : وليس في بني آدم حور ، وإنما قيل للنساء حور ، لأنهن شبهن بالظباء والبقر . قيل والمراد بقوله ( زوجناهم ) قرناهم وليس من عقد التزويج ، لأنه لا يقال زوجته بامرأة . وقال أبو عبيدة : وجعلناهم أزواجا لهن كما يزوج البعل بالبعل : أي جعلناهم اثنين اثنين ، وكذا قال الأخفش ( يدعون فيها بكل فاكهة آمنين ) أي يأمرون بإحضار ما يشتهون من الفواكه حال كونهم آمنين من التختم والأسقام والآلام . قال قتادة : آمنين من الموت والوصب والشيطان ، وقيل من انقطاع ما هم فيه من النعيم ( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ) أي لا يموتون فيها أبدا إلا الموتة التي ذاقوها في الدنيا ، والاستثناء منقطع : أي لكن الموتة التي قد ذاقوها في الدنيا كذا قال الزجاج والفراء وغيرهما ، ومثل هذه الآية قوله - ولا تنكحوا ما نكح آباءكم من النساء إلا ما قد سلف - وقيل إن إلا بمعنى بعد ، كقولك : ما كلمت رجلا اليوم إلا رجلا عندك : أي بعد رجل عندك ، وقيل هي بمعنى سوى : أي سوى الموتة الأولى . وقال ابن قتيبة : إنما استثنى الموتة الأولى وهي الدنيا ، لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطف الله وقدرته إلى أسباب من الجنة يلقون الروح والريحان ، ويرون منازلهم من الجنة ، وتفتح لهم أبوابها ، فإذا ماتوا في الدنيا فكأنهم ماتوا في الجنة لاتصالهم