تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
ثم كرر ذلك الرجل المؤمن تذكيرهم ، وحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم ، فقال الله حاكيا عنه ( وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ) أي مثل يوم عذاب الأمم الماضية الذين تحزبوا على أنبيائهم وأفرد اليوم لأن جمع الأحزاب قد أغنى عن جمعه ، ثم فسر الأحزاب فقال ( مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ) أي مثل حالهم في العذاب ، أو مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب ، أو مثل جزاء ما كانوا عليه من الكفر والتكذيب ( وما الله يريد ظلما للعباد ) أي لا يعذبهم بغير ذنب ، ونفي الإرادة للظلم يستلزم نفي الظلم بفحوى الخطاب . ثم زاد في الوعظ والتذكير فقال ( ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ) قرأ الجمهور " التناد " بتخفيف الدال وحذف الياء ، والأصل التنادي ، وهو التفاعل من النداء ، يقال تنادى القوم : أي نادى بعضهم بعضا . وقرأ الحسن وابن السميفع ويعقوب وابن كثير ومجاهد بإثبات الياء على الأصل ، وقرأ ابن عباس والضحاك وعكرمة بتشديد الدال . قال بعض أهل اللغة هو لحن ، لأنه من ند يند : إذا مر على وجهه هاربا . قال النحاس : وهذا غلط ، والقراءة حسنة على معنى التنافي . قال الضحاك : في معناه أنهم إذا سمعوا بزفير جهنم ندوا هربا ، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا صفوفا من الملائكة فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه ، فذلك قوله ( يوم التناد ) وعلى قراءة الجمهور المعنى : يوم ينادي بعضهم بعضا ، أو ينادي أهل النار أهل الجنة وأهل الجنة أهل النار ، أو ينادي فيه بسعادة السعداء وشقاوة الأشقياء ، أو يوم ينادي فيه كل أناس بإمامهم ، ولا مانع من الحمل على جميع هذه المعاني ، وقوله ( يوم تولون مدبرين ) بدل من يوم التناد : أي منصرفين عن الموقف إلى النار ، أو فارين منها . قال قتادة ومقاتل : المعنى إلى النار بعد الحساب ، وجملة ( ما لكم من الله من عاصم ) في محل نصب على الحال : أي مالكم من يعصمكم من عذاب الله ويمنعكم منه ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) يهديه إلى طريق الرشاد . ثم زاد في وعظهم وتذكيرهم فقال ( ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ) أي يوسف بن يعقوب ، والمعنى : أن يوسف بن يعقوب جاءهم بالمعجزات والآيات الواضحات من قبل مجيء موسى إليهم : أي جاء إلى آبائكم ، فجعل المجيء إلى الآباء مجيئا إلى الأبناء ، وقيل المراد بيوسف هنا يوسف بن إفراثيم ابن يوسف بن يعقوب ، وكان أقام فيهم نبيا عشرين سنة . وحكى النقاش عن الضحاك أن الله بعث إليهم رسولا من الجن يقال له يوسف ، والأول أولى . وقد قيل إن فرعون موسى أدرك أيام يوسف بن يعقوب لطول عمره ( فما زلتم في شك مما جاءكم به ) من البينات ولم تؤمنوا به ( حتى إذا هلك ) يوسف ( قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا ) فكفروا به في حياته وكفروا بمن بعده من الرسل بعد موته ( كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ) اي مثل ذلك الضلال الواضح يضل الله من هو مسرف في معاصي الله مستكثر منها مرتاب في دين الله شاك في وحدانيته ووعده ووعيده ، والموصول في قوله ( الذين يجادلون في آيات الله ) بدل من " من " ، والجمع باعتبار معناها ، أو بيان لها ، أو صفة ، أو في محل نصب بإضمار أعني ، أو خبر مبتدأ محذوف : أي هم الذين ، أو مبتدأ