ينابيع في الأرض ) أي فأدخله وأسكنه فيها ، والينابيع جمع ينبوع من نبع الماء ينبع ، والينبوع عين الماء والأمكنة
التي ينبع منها الماء ، والمعنى أدخل الماء النازل من السماء في الأرض وجعله فيها عيونا جارية ، أو جعله في ينابيع :
أي في أمكنة ينبع منها الماء ، فهو على الوجه الثاني منصوب بنزع الخافض . قال مقاتل : فجعله عيونا وركايا في
الأرض ( ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ) أي يخرج بذلك الماء من الأرض زرعا مختلفا ألوانه من أصفر وأخضر
وأبيض وأحمر ، أو من بر وشعير وغيرهما إذا كان المراد بالألوان الأصناف ( ثم يهيج ) يقال هاج النبت يهيج هيجا
إذا تم جفافه . قال الجوهري : يقال هاج النبت هياجا : إذا يبس ، وأرض هائجة يبس بقلها أو اصفر ، وأهاجت
الريح النبت أيبسته . قال المبرد : قال الأصمعي : يقال هاجت الأرض تهيج : إذا أدبر نبتها وولى . قال : وكذلك
هاج النبت ( فتراه مصفرا ) أي تراه بعد خضرته ونضارته وحسن رونقه مصفرا قد ذهبت خضرته ونضارته ( ثم
يجعله حطاما ) أي متفتتا منكسرا ، من تحطم العود إذا تفتت من اليبس ( إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ) أي
فيما تقدم ذكره تذكير الأهل العقول الصحيحة ، فإنهم الذين يتعقلون الأشياء على حقيقتها فيتفكرون ويعتبرون
ويعلمون بأن الحياة الدنيا حالها كحال هذا الزرع في سرعة التصرم وقرب التقضي ، وذهاب بهجتها وزوال رونقها
ونضارتها ، فإذا أنتج لهم التفكر والاعتبار العلم بذلك لم يحصل منهم الاغترار بها والميل إليها وإيثارها على دار النعيم
الدائم والحياة المستمرة واللذة الخالصة ، ولم يبق معهم شك في أن الله قادر على البعث والحشر ، لأن من قدر على
هذا قدر على ذلك . وقيل هو مثل ضربه الله للقرآن ولصدور من في الأرض . والمعنى : أنزل من السماء قرآنا
فسلكه في قلوب المؤمنين ، ثم يخرج به دينا بعضه أفضل من بعض ، فأما المؤمن فيزداد أيمانا ويقينا ، وأما الذي
في قلبه مرض فإنه يهيج كما يهيج الزرع ، وهذا بالتغيير أشبه منه بالتفسير . قرأ الجمهور " ثم يجعله " بالرفع عطفا
على ما قبله ، وقرأ أبو بشر بالنصب بإضمار أن ، ولا وجه لذلك . ثم لما ذكر سبحانه أن في ذلك لذكرى لأولي
الألباب ، ذكر شرح الصدر للإسلام ، لأن الانتفاع الكامل لا يحصل إلا به فقال ( أفمن شرح الله صدره للإسلام )
أي وسعه لقبول الحق وفتحه للاهتداء إلى سبيل الخير . قال السدي : وسع صدره للإسلام للفرح به والطمأنينة
إليه ، والكلام في الهمزة والفاء كما تقدم في - أفمن حق عليه كلمة العذاب - ومن مبتدأ وخبرها محذوف تقديره كمن
قسا قلبه وحرج صدره ، ودل على هذا الخبر المحذوف قوله ( فويل للقاسية قلوبهم ) والمعنى : أفمن وسع الله
صدره للإسلام فقبله واهتدى بهديه ( فهو ) بسبب ذلك الشرح ( على نور من ربه ) يفيض عليه كمن قسا قلبه لسوء
اختياره ، فصار في ظلمات الضلالة وبليات الجهالة . قال قتادة : النور كتاب الله به يؤخذ وإليه ينتهي . قال
الزجاج : تقدير الآية : أفمن شرح الله صدره كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته ( فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله )
قال الفراء والزجاج : أي عن ذكر الله كما تقول أتخمت عن طعام أكلته ومن طعام أكلته ، والمعنى : أنه غلظ قلبه وجفا
عن قبول ذكر الله ، يقال قسا القلب إذا صلب ، وقلب قاس : أي صلب لا يرق ولا يلين ، وقيل معنى من ذكر الله
من أجل ذكره الذي حقه أن تنشرح له الصدور وتطمئن به القلوب . والمعنى : أنه إذا ذكر الله اشمأزوا ، والأول
أولى ، ويؤيده قراءة من قرأ عن ذكر الله ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى القاسية قلوبهم ، وهو مبتدأ وخبره
( في ضلال مبين ) أي ظاهر واضح . ثم ذكر سبحانه بعض أوصاف كتابه العزيز فقال ( الله أنزل أحسن الحديث )
يعني القرآن ، وسماه حديثا لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحدث به قومه ويخبرهم بما ينزل عليه منه .
فتح القدير — صفحة 458
مساهمون: الشوكاني
ص٤٥٨