تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
ومعنى تكوير النهار على الليل : تغشيته إياه حتى تذهب ظلمته ، وهو معنى قوله تعالى - يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا - هكذا قال قتادة وغيره . وقال الضحاك : أي يلقى هذا على هذا ، وهذا على هذا ، وهو مقارب للقول الأول . وقيل معنى الآية : أن ما نقص من الليل دخل في النهار ، وما نقص من النهار دخل في الليل ، وهو معنى قوله - يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل - وقيل المعنى : إن هذا يكر على هذا وهذا يكر على هذا كرورا متتابعا . قال الراغب : تكوير الشئ إدارته وضم بعضه إلى بعض ككور العمامة . والإشارة بهذا التكوير المذكور في الآية إلى جريان الشمس في مطالعها وانتقاص الليل والنهار وازديادهما . قال الرازي : إن النور والظلمة عسكران عظيمان ، وفي كل يوم يغلب هذا ذاك ، وذاك هذا ، ثم ذكر تسخيره لسلطان النهار وسلطان الليل ، وهما الشمس والقمر فقال : ( وسخر الشمس والقمر ) أي جعلهما منقادين لأمره بالطلوع والغروب لمنافع العباد ، ثم بين كيفية هذا التسخير فقال ( كل يجري لأجل مسمى ) أي يجري في فلكه إلى أن تنصرم الدنيا ، وذلك يوم القيامة وقد تقدم الكلام على الأجل المسمى لجريهما مستوفى في سورة " يس " ( ألا هو العزيز الغفار ) ألا حرف تنبيه ، والمعنى : تنبهوا أيها العباد ، فالله هو الغالب الساتر لذنوب خلقه بالمغفرة . ثم بين سبحانه نوعا آخر من قدرته وبديع صنعه ، فقال ( خلقكم من نفس واحدة ) وهي نفس آدم ( ثم جعل منها زوجها ) جاء بثم للدلالة على ترتب خلق حواء على خلق آدم ، وتراخيه عنه لأنها خلقت منه ، والعطف : إما على مقدر هو صفة لنفس . قال الفراء والزجاج : التقدير خلقكم من نفس خلقها واحدة ثم جعل منها زوجها . ويجوز أن يكون العطف على معنى واحدة : أي من نفس انفردت ثم جعل الخ ، والتعبير بالجعل دون الخلق مع العطف بثم للدلالة على أن خلق حواء من ضلع آدم أدخل في كونه آية باهرة دالة على كمال القدرة ، لأن خلق آدم هو على عادة الله المستمرة في خلقه ، وخلقها على الصفة المذكورة لم تجر به عادة لكونه لم يخلق سبحانه أنثى من ضلع رجل غيرها ، وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في سورة الأعراف . ثم بين سبحانه نوعا آخر من قدرته الباهرة فقال ( وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) وهو معطوف على خلقكم ، وعبر بالإنزال لما يروى أنه خلقها في الجنة ثم أنزلها ، فيكون الإنزال حقيقة ، ويحتمل أن يكون مجازا ، لأنها لم تعش إلا بالنبات ، والنبات إنما يعيش بالماء الماء منزل من السماء ، كانت الأنعام كأنها منزلة ، لأن سبب سببها منزل كما أطلق على السبب في قوله : إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا وقيل إن أنزل بمعنى أنشأ وجعل ، أو بمعنى أعطى ، وقيل جعل الخلق إنزالا ، لأن الخلق إنما يكون بأمر ينزل من السماء ، والثمانية الأزواج هي ما في قوله - من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ، ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين - ويعني بالاثنين في الأربعة المواضع الذكر والأنثى ، وقد تقدم تفسير الآية في سورة الأنعام . ثم بين سبحانه نوعا آخر من قدرته البديعة فقال ( يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ) والجملة استئنافية لبيان ما تضمنته من الأطوار المختلفة في خلقهم ، وخلقا مصدر مؤكد للفعل المذكور ، و ( من بعد خلق ) صفة له : أي خلقا كائنا من بعد خلق . قال قتادة والسدي : نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم لحما . وقال ابن زيد : خلقكم خلقا في بطون أمهاتكم من بعد خلقكم في ظهر آدم ، وقوله ( في ظلمات ثلاث ) متعلق بقوله " يخلقكم " وهذه الظلمات الثلاث هي : ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك . وقال سعيد بن جبير : ظلمة المشيمة ، وظلمة الرحم ، وظلمة الليل . وقال أبو عبيدة : ظلمة صلب الرجل ، وظلمة بطن المرأة ، وظلمة الرحم ، والإشارة بقوله ( ذلكم الله ) إليه سبحانه باعتبار أفعاله السابقة ، والاسم الشريف