المطلقة على شئ كان في أول هذا العالم ، وإن كان هذا تفسيرا منه بمحض الرأي ، فليس الكتاب العزيز عرضة
لتلاعب آراء الرجال به ، ولهذا ورد الوعيد على من فسر القرآن برأيه ، فاحذر أيها الطالب للحق عن قبول مثل هذه
التفاسير واشدد يديك في تفسير كتاب الله ما تقتضيه اللغة العربية ، فهو قرآن عربي كما وصفه الله ، فإن جاءك
التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا تلتفت إلى غيره ، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ، وكذلك
ما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم فإنهم من جملة العرب ومن أهل اللغة وممن جمع إلى اللغة العربية العلم بالاصطلاحات
الشرعية ، ولكن إذا كان معنى اللفظ أوسع مما فسروه به في لغة العرب فعليك أن تضم إلى ما ذكره الصحابي
ما تقتضيه لغة العرب وأسرارها ، فخذ هذه كلية تنتفع بها ، وقد ذكرنا في خطبة هذا التفسير ما يرشدك ما إلى هذا .
قال الحسن : إن الأمانة عرضت على السماوات والأرض والجبال فقالت : وما فيها ؟ فقال لها : إن أحسنت آجرتك
وإن أسأت عذبتك ، فقالت لا . قال مجاهد : فلما خلق الله آدم عرضها عليه ، وقيل له ذلك فقال : قد تحملتها .
وروى نحو هذا عن غير الحسن ومجاهد . قال النحاس : وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير . وقيل هذه
الأمانة هي ما أودعه الله في السماوات والأرض والجبال وسائر المخلوقات من الدلائل على ربوبيته أن يظهروها
فأظهروها ، إلا الإنسان فإنه كتمها وجحدها . كذا قال بعض المتكلمين مفسرا للقرآن برأيه الزائف ، فيكون على
هذا معنى عرضنا أظهرنا . قال جماعة من العلماء : ومن المعلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب ، فلابد من تقدير
الحياة فيها ، وهذا العرض في الآية هو عرض تخيير لا عرض إلزام . وقال القفال وغيره : العرض في هذه الآية ضرب
مثل : أي إن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع
لما فيها من الثواب والعقاب : أي أن التكليف أمر عظيم حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال ، وقد كلفه
الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل ، وهذا كقوله - لو أنزلنا هذا القرآن على جبل - وقيل إن عرضنا بمعنى عارضنا :
أي عارضنا الأمانة بالسموات والأرض والجبال ، فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة ورجحت الأمانة بثقلها عليها .
وقيل إن عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال إنما كان من آدم عليه السلام ، وأن الله أمره أن يعرض ذلك
عليها ، وهذا أيضا تحريف لا تفسير ، ومعنى ( وحملها الإنسان ) أي التزم بحقها ، وهو في ذلك ظلوم لنفسه جهول
لما يلزمه ، أو جهول لقدر ما دخل فيه كما قال سعيد بن جبير ، أو جهول بربه كما قال الحسن . وقال الزجاج :
معنى حملها خان فيها ، وجعل الآية في الكفار والفساق والعصاة ، وقيل معنى حملها : كلفها وألزمها ، أو صار
مستعدا لها بالفطرة ، أو حملها عند عرضها عليه في عالم الذر عند خروج ذرية آدم من ظهره وأخذ الميثاق عليهم ،
واللام في ( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ) متعلق بحملها أي حملها الإنسان ليعذب الله
العاصي ويثيب المطيع ، وعلى هذا فجملة ( إنه كان ظلوما جهولا ) معترضة بين الجملة وغايتها للإيذان بعدم وفائه
بما تحمله . قال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حبان : ليعذبهم بما خانوا من الأمانة وكذبوا من الرسل ونقضوا من
الميثاق الذي أقروا به حين أخرجوا من ظهر آدم . وقال الحسن وقتادة : هؤلاء المعذبون هم الذين خانوها ، وهؤلاء
الذين يتوب الله عليهم هم الذين أدوها . وقال ابن قتيبة : أي عرضنا ذلك ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك
فيعذبهما الله ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه : أي يعود عليه بالمغفرة والرحمة إن حصل منه تقصير في بعض
الطاعات ، ولذلك ذكر بلفظ التوبة ، فدل على أن المؤمن العاصي خارج من العذاب ( وكان الله غفورا رحيما )
أي كثير المغفرة والرحمة للمؤمنين من عباده إذا قصروا في شئ مما يجب عليهم . وقد قيل إن المراد بالأمانة العقل ،
فتح القدير — صفحة 309
مساهمون: الشوكاني
ص٣٠٩