تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
قوله ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي ) هذا نهي عام لكل مؤمن أن يدخل بيوت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا بإذن منه . وسبب النزول ما وقع من بعض الصحابة في وليمة زينب ، وسيأتي بيان ذلك آخر البحث إن شاء الله . وقوله ( إلا أن يؤذن لكم ) استثناء مفرغ من أعم الأحوال : أي لا تدخلوها في حال من الأحوال إلا في حال كونكم مأذونا لكم ، وهو في موضع نصب على الحال : أي إلا مصحوبين بالإذن أو بنزع الخافض : أي إلا بأن يؤذن لكم ، أو منصوب على الظرفية : أي إلا وقت أن يؤذن لكم ، وقوله ( إلى طعام ) متعلق بيؤذن على تضمينه معنى الدعاء : أي إلا أن يؤذن لكم مدعوين إلى طعام ، وانتصاب ( غير ناظرين إناه ) على الحال ، والعامل فيه يؤذن أو مقدر : أي ادخلوا غير ناظرين ، ومعنى ناظرين : منتظرين ، وإناه : نضجه وإدراكه ، يقال أنى يأني أنى : إذا حان وأدرك . قرأ الجمهور " غير ناظرين " بالنصب . وقرأ ابن أبي عبلة غير بالجر صفة لطعام ، وضعف النحاة هذه القراءة لعدم بروز الضمير لكونه جاريا على غير من هو له ، فكان حقه أن يقال غير ناظرين إناه أنتم . ثم بين لهم سبحانه ما ينبغي في ذلك فقال ( ولكن إذا دعيتم فأدخلوا ) وفيه تأكيد للمنع ، وبيان الوقت الذي يكون فيه الدخول ، وهو عند الإذن . قال ابن العربي : وتقدير الكلام : ولكن إذا دعيتم وأذن لكم فأدخلوا ، وإلا فنفس الدعوة لا تكون إذنا كافيا في الدخول ، وقيل إن فيه دلالة بينة على أن المراد بالإذن إلى الطعام هو الدعوة إليه ( فإذا طعمتم فانتشروا ) أمرهم سبحانه بالانتشار بعد الطعام ، وهو التفرق ، والمراد الإلزام بالخروج من المنزل الذي وقعت الدعوة إليه عند انقضاء المقصود من الأكل ( ولا مستأنسين لحديث ) عطف على قوله غير ناظرين ، أو على مقدر : أي ولا تدخلوا ولا تمكثوا مستأنسين . والمعنى : النهي لهم عن أن يجلسوا بعد الطعام يتحدثون مستأنسين بالحديث . قال الرازي في قوله ( إلا أن يؤذن لكم إلى طعام ) إما أن يكون فيه تقديم وتأخير تقديره : ولا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم ، فلا يكون منعا من الدخول في غير وقت الطعام بغير إذن . وإما أن لا يكون فيه تقديم وتأخير فيكون معناه : ولا تدخلوا إلا أن يؤذن لكم إلى طعام ، فيكون الإذن مشروطا بكونه إلى طعام ، فإن لم يؤذن إلى طعام فلا يجوز الدخول ، فلو أذن لواحد في الدخول لاستماع كلام لا لأكل طعام فلا يجوز ، فنقول المراد هو الثاني ليعم النهي عن الدخول . وأما كونه لا يجوز إلا بإذن إلى طعام فلما هو مذكور في سبب النزول أن الخطاب مع قوم كانوا يتحينون حين الطعام ويدخلون من غير إذن ، فمنعوا من الدخول في وقتهم بغير إذن . وقال ابن عادل : الأولى أن يقال المراد هو الثاني ، لأن التقديم والتأخير خلاف الأصل ، وقوله ( إلى طعام ) من باب التخصيص بالذكر ، فلا يدل على نفي ما عداه ، لا سيما إذا علم مثله ، فإن من جاز دخول بيته بإذنه إلى طعامه جاز دخوله بإذنه إلى غير الطعام انتهى . والأولى في التعبير عن هذا المعنى الذي أراده أن يقال : قد دلت الأدلة على جواز دخول بيوته صلى الله عليه وآله وسلم بإذنه لغير الطعام ، وذلك معلوم لاشك فيه ، فقد كان الصحابة وغيرهم يستأذنون عليه لغير الطعام فيأذن لهم ، وذلك يوجب قصر هذه الآية على السبب الذي نزلت فيه ، وهو القوم الذين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيدخلون