تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتهما مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد ، ولم يحسن هذا الاختصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة انتهى . وكل وجه من هذه الوجوه يحتمل المناقشة بالنقض والمعارضة ، وأحسنها تعليل جمع العمة والخالة بسبق الوهم إلى أن التاء للوحدة ، وليس في العم والحال ما يسبق الوهم إليه بأنه أريد به الوحدة إلا مجرد صيغة الإفراد وهي لا تقتضي ذلك بعد إضافتها لما تقرر من عموم أسماء الأجناس المضافة ، على أن هذا الوجه الأحسن لا يصفو عن شوب المناقشة ( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ) هو معطوف على مفعول أحللنا : أي وأحللنا لك امرأة مصدقة بالتوحيد إن وهبت نفسها منك بغير صداق . وأما من لم تكن مؤمنة فلا تحل لك بمجرد هبتها نفسها لك . ولكن ليس ذلك بواجب عليك بحيث يلزمك قبول ذلك ، بل مقيدا بإرادتك ، ولهذا قال ( إن أراد النبي أن يستنكحها ) أي يصيرها منكوحة له ويتملك بضعها بتلك الهبة بلا مهر . وقد قيل إنه لم ينكح النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الواهبات أنفسهن أحدا ولم يكن عنده منهن شئ . وقيل كان عنده منهن خولة بنت حكيم كما في صحيح البخاري عن عائشة . وقال قتادة : هي ميمونة بنت الحارث . وقال الشعبي : هي زينب بنت خزيمة الأنصارية أم المساكين . وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل : هي أم شريك بنت جابر الأسدية . وقال عروة بن الزبير : هي أم حكيم بنت الأوقص السلمية . ثم بين سبحانه أن هذا النوع من النكاح خاص برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحل لغيره من أمته فقال ( خالصة لك من دون المؤمنين ) أي هذا الإحلال الخالص هو خاص بك دون غيرك من المؤمنين . ولفظ خالصة إما حال من امرأة ، قاله الزجاج . أو مصدر مؤكد كوعد الله : أي خالص لك خلوصا . قرأ الجمهور " وامرأة " بالنصب . وقرأ أبو حيوة بالرفع على الابتداء . وقرأ الجمهور " إن وهبت " بكسر إن . وقرأ أبي والحسن وعيسى بن عمر بفتحها على أنه بدل من امرأة بدل اشتمال . أو على حذف لام العلة : أي لأن وهبت . وقرأ الجمهور " خالصة " بالنصب ، وقرئ بالرفع على أنها صفة لامرأة على قراءة من قرأ امرأة بالرفع ، وقد أجمع العلماء على أن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنه لا يجوز لغيره ولا ينعقد النكاح بهبة المرأة نفسها إلا ما روي عن أبي حنيفة وصاحبيه أنه يصح النكاح إذا وهبت ، وأشهد هو على نفسه بمهر . وأما بدون مهر فلا خلاف في أن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولهذا قال ( قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ) أي ما فرضه الله سبحانه على المؤمنين في حق أزواجهم من شرائط العقد وحقوقه ، فإن ذلك حق عليهم مفروض لا يحل لهم الاخلال به ، ولا الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما خصه الله به توسعة عليه وتكريما له ، فلا يتزوجوا إلا أربعا بمهر وبينة وولي ( وما ملكت أيمانهم ) أي وعلمنا ما فرضنا عليهم فيما ملكت أيمانهم من كونهن ممن يجوز سبيه وحربه ، لا من كان لا يجوز سبيه أو كان له عهد من المسلمين ( لكيلا يكون عليك حرج ) . قال المفسرون : هذا يرجع إلى أول الآية : أي أحللنا لك أزواجك وما ملكت يمينك والموهوبة لكيلا يكون عليك حرج ، فتكون اللام متعلقة بأحللنا ، وقيل هي متعلقة بخالصة ، والأول أولى والحرج الضيق : أي وسعنا عليك في التحليل لك لئلا يضيق صدرك ، فتظن أنك قد أثمت في بعض المنكوحات ( وكان الله غفورا رحيما ) يغفر الذنوب ويرحم العباد ، ولذلك وسع الأمر ولم يضيقه ( ترجى من تشاء منهن ) قرئ " ترجى " مهموزا وغير مهموز ، وهما لغتان ، والإرجاء التأخير ، يقال : أرجأت الأمر وأرجيته : إذا أخرته ( وتؤوي إليك من تشاء ) أي تضم إليك ، يقال آواه إليه بالمد : ضمه إليه ، وأوى مقصورا : أي ضم إليه ، والمعنى : أن الله وسع على رسوله وجعل الخيار إليه في نسائه ، فيؤخر من شاء منهن ويؤخر نوبتها ويتركها ولا يأتيها من غير طلاق ، ويضم إليه من شاء منهن