تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
" ما تخفى " بالنون مضمومة ، وقرأ الأعمش " يخفى " بالتحتية مضمومة . قال الزجاج في معنى قراءة حمزة : أي منه ما أخفى الله لهم ، وهى قراءة محمد بن كعب ، و " ما " في موضع نصب . ثم بين سبحانه أن ذلك بسبب أعمالهم الصالحة فقال ( جزاء بما كانوا يعملون ) أي لأجل الجزاء بما كانوا يعملونه في الدنيا أو جوزوا جزاء بذلك ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ) الاستفهام للإنكار : أي ليس المؤمن كالفاسق فقد ظهر ما بينهما من التفاوت ، ولهذا قال ( لا يستوون ) ففيه زيادة تصريف لما أفاده الإنكار الذي أفاده الاستفهام . قال الزجاج : جعل الاثنين جماعة حيث قال ( لا يستوون ) لأجل معنى من ، وقيل لكون الاثنين أقل الجمع ، وسيأتي بيان سبب نزولها آخر البحث . ثم بين سبحانه عاقبة حال الطائفتين وبدأ بالمؤمنين فقال ( أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى ) قرأ الجمهور " جنات " بالجمع ، وقرأ طلحة بن مصرف " جنة المأوى " بالإفراد ، والمأوى هو الذي يأوون إليه ، وأضاف الجنات إليه لكونه المأوى الحقيقي ، وقيل المأوى جنة من الجنات ، وقد تقدم الكلام على هذا ، ومعنى ( نزلا ) أنها معدة لهم عند نزولهم ، وهو في الأصل ما يعد للنازل من الطعام والشراب كما بيناه في آل عمران ، وانتصابه على الحال . وقرأ أبو حيوة " نزلا " بسكون الزاي ، والباء في ( بما كانوا يعملون ) للسببية : أي بسبب ما كانوا يعملونه ، أو بسبب عملهم . ثم ذكر الفريق الآخر فقال ( وأما الذين فسقوا ) أي خرجوا عن طاعة الله وتمردوا عليه وعلى رسله ( فمأواهم النار ) أي منزلهم الذي يصيرون إليه ويستقرون فيه هو النار ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ) أي إذا أرادوا الخروج منها ردوا إليها راغمين مكرهين ، وقيل إذ دفعهم اللهب إلى أعلاها ردوا إلى مواضعهم ( وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ) والقائل لهم هذه المقالة هو خزنة جهنم من الملائكة ، أو القائل لهم هو الله عز وجل ، وفي هذا القول لهم حال كونهم قد صاروا في النار من الإغاظة لهم مالا يخفى ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ) وهو عذاب الدنيا . قال الحسن وأبو العالية والضحاك والنخعي : هو مصائب الدنيا وأسقامها ، وقيل الحدود ، وقيل القتل بالسيف يوم بدر ، وقيل سنين الجوع بمكة ، وقيل عذاب القبر ، ولا مانع من الحمل على الجميع ( دون العذاب الأكبر ) وهو عذاب الآخرة ( لعلهم يرجعون ) مما هم فيه من الشرك والمعاصي بسبب ما ينزل بهم من العذاب إلى الإيمان والطاعة ويتوبون عما كانوا فيه . وفي هذا التعليل دليل على ضعف قول من قال : إن العذاب الأدنى هو عذاب القبر ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ) أي لا أحد أظلم منه لكونه سمع من أيات الله ما يوجب الإقبال على الإيمان والطاعة ، فجعل الإعراض مكان ذلك ، والمجيء بثم للدلالة على استبعاد ذلك ، وأنه مما ينبغي أن لا يكون ( إنا من المجرمين منتقمون ) أي من أهل الإجرام على العموم فيدخل فيه من أعرض عن آيات الله دخولا أوليا . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( إنا نسيناكم ) قال : تركناكم . وأخرج البيهقي في الشعب عنه قال : نزلت هذه الآية في شأن الصلوات الخمس ( إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا ) أي أتوها ( وسبحوا ) أي صلوا بأمر ربهم ( وهم لا يستكبرون ) عن إتيان الصلاة في الجماعات . وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أنس بن مالك أن هذه الآية ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع ) نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة . وأخرج البخاري في تاريخه وابن مردويه عنه قال : نزلت في صلاة العشاء . وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضا في الآية قال : كانوا لا ينامون حتى يصلوا العشاء . وأخرج ابن أبي شيبة عنه قال : كنا نجتنب الفرش قبل صلاة العشاء . وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن مردويه عنه أيضا قال : ما رأيت رسول الله صلى