تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
ما للهدهد لا أراه ؟ فهذا الكلام من الكلام المقلوب الذي تستعمله العرب كثيرا ، وقيل لا حاجة إلى ادعاء القلب ، بل هو استفهام عن المانع له من رؤية الهدهد ، كأن قال : مالي لا أراه هل ذلك لساتر يستره عني ، أو لشئ آخر ؟ ثم ظهر له أنه غائب فقال : أم كان من الغائبين ، وأم هي المنقطعة التي بمعنى الإضراب قرأ ابن كثير وابن محيصن وهشام وأيوب " مالي " بفتح الياء ، وكذلك قرأوا في يس - ومالي لا أعبد الذي فطرني - بفتح الياء ، وقرأ بإسكانها في الموضعين حمزة والكسائي ويعقوب ، وقرأ الباقون بفتح التي في يس وإسكان التي هنا . قال أبو عمرو : لأن هذه التي هنا استفهام ، والتي في يس نفي ، واختار أبو حاتم وأبو عبيد الإسكان ( لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه ) . اختلفوا في هذا العذاب الشديد ما هو ؟ فقال مجاهد وابن جريج : هو أن ينتف ريشه جميعا . وقال يزيد بن رومان : هو أن ينتف ريش جناحيه ، وقيل هو أن يحبسه مع أضداده ، وقيل أن يمنعه من خدمته ، وفي هذا دليل على أن العقوبة على قدر للذنب لا على قدر الجسد . وقوله عذابا اسم مصدر أو مصدر على حذف الزوائد كقوله - أنبتكم من الأرض نباتا - ( أو ليأتيني بسلطان مبين ) قرأ ابن كثير وحده بنون التأكيد المشددة بعدها نون الوقاية ، وقرأ الباقون بنون مشددة فقط ، وهي نون التوكيد ، وقرأ عيسى ابن عمر بنون مشددة مفتوحة غير موصولة بالياء ، والسلطان المبين هو الحجة البينة في غيبته ( فمكث غير بعيد ) أي الهدهد مكث زمانا غير بعيد . قرأ الجمهور " مكث " بضم الكاف ، وقرأ عاصم وحده بفتحها ، ومعناه في القرائتين : أقام زمانا غير بعيد . قال سيبويه : مكث يمكث مكوثا كقعد يقعد قعودا . وقيل إن الضمير في مكث لسليمان . والمعنى : بقي سليمان بعد التفقد والتوعد زمانا غير طويل ، والأول أولى ( فقال أحطت بما لم تحط به ) أي علمت ما لم تعلمه من الأمر ، والإحاطة العلم بالشيء من جميع جهاته ، ولعل في الكلام حذفا ، والتقدير : فمكث الهدهد غير بعيد فجاء فعوتب على مغيبه ، فقال معتذرا عن ذلك ( أحطت بما لم تحط به ) . قال الفراء : ويجوز إدغام التاء في الطاء ، فيقال أحط ، وإدغام الطاء في التاء فيقال أحت ( وجئتك من سبأ بنبأ يقين ) قرأ الجمهور من سبأ بالصرف على أنه اسم رجل ، نسب إليه قوم ، ومنه قول الشاعر : الواردون وتيم في ذرى سبأ * قد غض أعناقهم جلد الجواميس وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الهمزة وترك الصرف على أنه اسم مدينة ، وأنكر الزجاج أن يكون اسم الرجل وقال : سبأ اسم مدينة تعرف بمأرب اليمن بينهما وبين صنعاء ثلاثة أيام . وقيل هو اسم امرأة سميت بها المدينة . قال القرطبي : والصحيح أنه اسم رجل كما في كتاب الترمذي من حديث فروة بن مسيك المرادي . قال ابن عطية : وخفي هذا على الزجاج فخبط خبط عشواء . وزعم الفراء أن الرؤاسي سأل أبا عمرو بن العلاء عن سبأ فقال : ما أدري ما هو ؟ قال النحاس : وأبو عمرو أجل من أن يقول هذا ، قال : والقول في سبأ ما جاء التوقيف فيه أنه في الأصل اسم رجل ، فإن صرفته فلأنه قد صار اسما للحي ، وإن لم تصرفه جعلته اسما للقبيلة مثل ثمود ، إلا أن الاختيار عند سيبويه الصرف انتهى . وأقول : لا شك أن سبأ اسم لمدينة باليمن كانت فيها بلقيس ، وهو أيضا اسم رجل من قحطان ، وهو سبأ بن