تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
باركك الله ، وبارك فيك ، وبارك عليك ، وبارك لك ، وكذلك حكى هذا الفراء . قال ابن جرير : قال بورك من في النار ، ولم يقل بورك على النار على لغة من يقول باركك الله : أي بورك على من في النار ، وهو موسى ، أو على من في قرب النار لا أنه كان في وسطها . وقال السدي : كان في النار ملائكة ، والنار هنا هي مجرد نور ، ولكنه ظن موسى أنها نار ، فلما وصل إليها وجدها نورا . وحكي عن الحسن وسعيد بن جبير أن المراد بمن في النار هو الله سبحانه : أي نوره . وقيل بورك ما في النار من أمر الله سبحانه الذي جعلها على تلك الصفة . قال الواحدي : ومذهب المفسرين أن المراد بالنار النور ، ثم نزه سبحانه نفسه فقال ( وسبحان الله رب العالمين ) وفيه تعجيب لموسى من ذلك ( يا موسى أنه أنا الله العزيز الحكيم ) الضمير للشأن ، أنا الله العزيز الغالب القاهر الحكيم في أمره وفعله . وقيل إن موسى قال : يا رب من الذي ناداني ؟ فأجابه الله سبحانه بقوله : إنه أنا الله ، ثم أمره سبحانه بأن يلقي عصاه ليعرف ما أجراه الله سبحانه على يده من المعجزة الخارقة ، وجملة ( وألق عصاك ) معطوفة على بورك ، وفي الكلام حذف ، والتقدير فألقاها من يده فصارت حية ( فلما رآها تهتز كأنها جان ) قال الزجاج : صارت العصا تتحرك كما يتحرك الجان ، وهي الحية البيضاء ، وإنما شبهها بالجان في خفة حركتها ، وشبهها في موضع آخر بالثعبان لعظمها ، وجمع الجان جنان وهي الحية الخفيفة الصغيرة الجسم . وقال الكلبي : لا صغيرة ولا كبيرة ( ولى مدبرا ) من الخوف ( ولم يعقب ) أي لم يرجع : يقال عقب فلان إذا رجع ، وكل راجع معقب ، وقيل لم يقف ولم يلتفت . والأول أولى ، لأن التعقيب هو الكر بعد الفر ، فلما وقع منه ذلك قال الله سبحانه ( يا موسى لا تخف ) أي من الحية وضررها ( إني لا يخاف لدي المرسلون ) أي لا يخاف عندي من أرسلته برسالتي فلا تخف أنت . قيل ونفي الخوف عن المرسلين ليس في جميع الأوقات ، بل في وقت الخطاب لهم لأنهم إذ ذاك مستغرقون . ثم استثنى استثناء منقطعا فقال ( إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم ) أي لكن من أذنب في ظلم نفسه بالمعصية " ثم بدل حسنا " أي توبة وندما " بعد سوء " أي بعد عمل سوء " فإني غفور رحيم " وقيل الاستثناء من مقدر محذوف : أي لا يخاف لدي المرسلون ، وإنما يخاف غيرهم ممن ظلم إلا من ظلم ثم بدل الخ ، كذا قال الفراء . قال النحاس : الاستثناء من محذوف محال ، لأنه استثناء من شئ لم يذكر . وروي عن الفراء أنه قال : إلا بمعنى الواو . وقيل إن الاستثناء متصل من المذكور لا من المحذوف . والمعنى : إلا من ظلم من المرسلين بإتيان الصغائر التي لا يسلم منها أحد ، واختار هذا النحاس ، وقال : علم من عصي منهم فاستثناه فقال : إلا من ظلم ، وإن كنت قد غفرت له كآدم وداود وإخوة يوسف وموسى بقتله القبطي . ولا مانع من الخوف بعد المغفرة ، فإن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كان يقول : وددت أني شجرة تعضد ( وأدخل يدك في جيبك ) المراد بالجيب هو المعروف ، وفي القصص - اسلك يدك - وفي أدخل من المبالغة ما لم يكن في اسلك ( تخرج بيضاء من غير سوء ) أي من غير برص أو نحوه من الآفات ، فهو احتراس . وقوله " تخرج " جواب أدخل يدك . وقيل في الكلام حذف تقديره : أدخل يدك تدخل وأخرجها تخرج ، ولا حاجة لهذا الحذف ولا ملجئ إليه . قال المفسرون : كانت على موسى مدرعة من صوف لا كم لها ولا إزار ، فأدخل يده في جيبه وأخرجها فإذا هي تبرق كالبرق ، وقوله ( في تسع آيات ) قال أبو البقاء : هو في محل نصب على الحال من فاعل تخرج ، وفيه بعد . وقيل متعلق بمحذوف : أي اذهب في تسع آيات . وقيل متعلق بقوله : ألق عصاك وأدخل يدك في جملة تسع آيات أو مع تسع آيات . وقيل المعنى : فهما آيتان من تسع : يعني العصا واليد ، فتكون الآيات إحدى عشرة : هاتان ، والفلق ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، والطمسة ،