ولم يصح شئ من هذا ، ولا ثبت بوجه من الوجوه ، ومع عدم صحته بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب
الله سبحانه ، قال الله - ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعن منه الوتين - وقوله - وما ينطق
عن الهوى - وقوله - ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم - فنفى المقاربة للركون فضلا عن الركون . قال البزار :
هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإسناد متصل . وقال البيهقي : هذه القصة غير ثابتة
من جهة النقل ، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم . وقال إمام الأئمة ابن خزيمة : إن هذه القصة من
وضع الزنادقة . وقال القاضي عياض في الشفاء : إن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن
شئ بخلاف ما هو عليه ، لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا ولا غلطا . قال ابن كثير : قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا
قصة الغرانيق ، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا ،
ولكنها من طرق كلها مرسلة ، ولم أرها مسندة من وجه صحيح . وإذا تقرر لك بطلان ذلك عرفت أن معنى ( تمنى )
قرأ وتلا كما قدمنا من حكاية الواحدي لذلك عن المفسرين . وكذا قال البغوي : إن أكثر المفسرين قالوا معنى
( تمنى ) تلا وقرأ كتاب الله ، ومعنى ( ألقى الشيطان في أمنيته ) أي في تلاوته وقراءته . قال ابن جرير : هذا القول
أشبه بتأويل الكلام ، ويؤيد هذا ما تقدم في تفسير قوله - لا يعلمون الكتاب إلا أماني - وهو معنى ( تمنى ) حدث ،
ومعنى ( ألقى الشيطان في أمنيته ) في حديثه ، روى هذا عن ابن عباس ، وقيل معنى ( تمنى ) قال . فحاصل معنى
الآية : أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك من دون أن يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا
جرى على لسانه ، فتكون هذه الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أي لا يهولنك ذلك ولا يحزنك ،
فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء ، وعلى تقدير أن معنى تمنى حدث نفسه كما حكاه الفراء
والكسائي فإنهما قالا : تمنى إذا حدث نفسه ، فالمعنى : أنه إذا حدث نفسه بشئ تكلم به الشيطان وألقاه في
مسامع الناس من دون أن يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا جرى على لسانه . قال ابن عطية :
لا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة وقعت بها الفتنة . وقد قيل في تأويل الآية : إن المراد بالغرانيق
الملائكة ، ويرد بقوله ( فينسخ الله ما يلقى الشيطان ) أي يبطله ، وشفاعة الملائكة غير باطلة . وقيل إن ذلك جرى
على لسانه صلى الله عليه وآله وسلم سهوا ونسيانا وهما مجوزان على الأنبياء ، ويرد بأن السهو والنسيان فيما طريقه
البلاغ غير جائز كما هو مقرر في مواطنه ، ثم لما سلاه الله سبحانه بهذه التسلية وأنها قد وقعت لما قبله من الرسل
والأنبياء بين سبحانه أنه يبطل ذلك ولا يثبته ولا يستمر تعرير الشيطان به فقال ( فينسخ الله ما يلقى الشيطان ) أي
يبطله ويجعله ذاهبا غير ثابت ( ثم يحكم الله آياته ) أي يثبتها ( والله عليم حكيم ) أي كثير العلم والحكمة في كل أقواله
وأفعاله ، وجملة ( ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة ) للتعليل : أي ذلك الإلقاء الذي يلقيه الشيطان فتنة : أي ضلالة
( للذين في قلوبهم مرض ) أي شك ونفاق ( والقاسية قلوبهم ) هم المشركون ، فإن قلوبهم لا تلين للحق أبدا ولا
ترجع إلى الصواب بحال ، ثم سجل سبحانه على هاتين الطائفتين : وهما من في قلبه مرض ، ومن في قلبه قسوة بأنهم
ظالمون فقال ( وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ) أي عداوة شديدة ، ووصف الشقاق بالبعد مبالغة ، والموصوف
به في الحقيقة من قام به . ولما بين سبحانه أن ذلك الإلقاء كان فتنة في حق أهل النفاق والشك والشرك ، بين أنه
في حق المؤمنين العالمين بالله العارفين به سبب لحصول العلم لهم بأن القرآن حق وصدق فقال ( وليعلم الذين أوتوا
العلم أنه الحق من ربك ) أي الحق النازل من عنده ، وقيل إن الضمير في أنه راجع إلى تمكين الشيطان من الإلقاء ،
لأنه مما جرت به عادته مع أنبيائه ، ولكنه يرد هذا قوله ( فيؤمنوا به ) فإن المراد الإيمان بالقرآن : أي يثبتوا على
فتح القدير — صفحة 462
مساهمون: الشوكاني
ص٤٦٢