أن التفخيم هو الأصل ، والإمالة فرع عنه ، فمن قرأ بتفخيم الهاء والياء فقد عمل بالأصل ، ومن أمالهما فقد عمل
بالفرع ، ومن أمال أحدهما وفخم الآخر فقد عمل بالأمرين ، وقد تقدم الكلام في هذه الحروف الواقعة في
فواتح السورة مستوفى في أوائل البقرة ، ومحل هذه الفاتحة إن جعلت اسما للسورة على ما عليه الأكثر الرفع
على أنها مبتدأ خبرها ما بعدها ، قاله الفراء . واعترضه الزجاج فقال : هذا محال لأن كهيعص ليس هو مما أنبأنا الله
عز وجل به عن زكرياء ، وقد أخبر الله تبارك وتعالى عنه وعما بشر به ، وليس كهيعص من قصته ، أو على أنها
خبر مبتدأ محذوف ، وإن جعلت مسرودة على نمط التعديد ، فقوله ( ذكر رحمة ربك ) خبر لمبتدأ محذوف : أي
هذا ذكر رحمة ربك . وقيل هو مبتدأ خبره محذوف : أي فيما يتلى عليك ذكر رحمة ربك . قال الزجاج : ذكر
مرتفع بالمضمر ، والمعنى : هذا الذي نتلوه عليك ذكر رحمة ربك ( عبده زكرياء ) يعنى إجابته إياه حين دعاه
وسأله الولد ، وانتصاب عبده على أنه مفعول للرحمة قاله الأخفش . وقيل للذكر . ومعنى ذكر الرحمة بلوغها
وإصابتها ، كما يقال ذكرني معروف فلان : أي بلغني . وقرأ يحيى بن يعمر " ذكر " بالنصب ، وقرأ أبو العالية
عبده بالرفع على أن المصدر مضاف إلى المفعول ، وفاعل الذكر هو عبده ، وزكرياء على القراءتين عطف بيان له
أو بدل منه ، وقرأ الكلبي " ذكر " على صيغة الفعل الماضي مشددا ومخففا على أن الفاعل عبده ، وقرأ ابن معمر
على الأمر ، وتكون الرحمة على هذا عبارة عن زكرياء ، لأن كل نبي رحمة لأمته ( إذ نادى ربه نداء خفيا ) العامل
في الظرف رحمة ، وقيل ذكر ، وقيل هو بدل اشتمال من زكرياء . واختلف في وجه كون ندائه هذا خفيا ، فقيل
لأنه أبعد عن الرياء ، وقيل أخفاه ، لئلا يلام على طلبه للولد في غير وقته ، ولكونه من أمور الدنيا ، وقيل أخفاه
مخافة من قومه ، وقيل كان ذلك منه لكونه قد صار ضعيفا هرما لا يقدر على الجهر ( قال رب إني وهن العظم منى )
هذه الجملة مفسرة لقوله : نادى ربه ، يقال وهن يهن وهنا إذا ضعف فهو واهن ، وقرئ بالحركات الثلاث ،
أراد أن عظامه فترت وضعفت قوته ، وذكر العظم ، لأنه عمود البدن ، وبه قوامه ، وهو أصل بنانه ، فإذا وهن
تداعى وتساقطت قوته ولأن أشد ما في الإنسان صلبه ، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن ، ووحد العظم قصدا إلى
الجنس المفيد لشمول الوهن لكل فرد من أفراد العظام ( واشتعل الرأس شيبا ) قرأ أبو عمرو بإدغام السين في الشين ،
والباقون بعدمه ، والاشتعال في الأصل انتشار شعاع النار ، فشبه به انتشار بياض شعر الرأس في سواده بجامع
البياض والإنارة ، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكناية ، بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه ، وهذه الاستعارة من
أبدع الاستعارات وأحسنها . قال الزجاج : يقال للشيب إذا كثر جدا قد اشتعل رأس فلان ، وأنشد للبيد :
فإن ترى رأسي أمسى واضحا * سلط الشيب عليه فاشتعل
مع وانتصاب شيبا على التمييز قاله الزجاج . وقال الأخفش : انتصابه على المصدر ، لأن معنى اشتعل شاب . قال
النحاس : قول الأخفش أولى لأنه مشتق من فعل ، والمصدرية أظهر فيما كان كذلك ، وكان الأصل اشتعل
شيب رأسي ، فأسند الإشتعال إلى الرأس لإفادة الشمول ( ولم أكن بدعائك رب شقيا ) أي لم أكن بدعائي إياك
خائبا في وقت من الأوقات ، بل كلما دعوتك استجبت لي .
قال العلماء : يستحب للمرء أن يجمع في دعائه بين الخضوع ، وذكر نعم الله عليه كما فعل زكرياء هاهنا ،
فإن في قوله ( وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ) غاية الخضوع والتذلل وإظهار الضعف والقصور عن نيل
مطالبه . وبلوغ مآربه . وفى قوله ( ولم أكن بدعائك رب شقيا ) ذكر ما عوده الله من الإنعام عليه بإجابة أدعيته ،
يقال شقى بكذا : أي تعب فيه ولم يحصل مقصوده منه ( وإني خفت الموالي من ورائي ) قرأ عثمان بن عفان ومحمد
فتح القدير — صفحة 321
مساهمون: الشوكاني
ص٣٢١