فشرب فلم يضره ، وقال للخباز كل فأبى ، فجرب الطعام على حيوان فهلك مكانه فحبسهما ، وكان دخولهما
السجن مع دخول يوسف ، وقيل قبله ، وقيل بعده . قال ابن جرير : إنهما سألا يوسف عن علمه فقال : إني أعبر
الرؤيا ، فسألاه عن رؤياهما كما قص الله سبحانه ( قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا ) أي رأيتني ، والتعبير
بالمضارع لاستحضار الصورة . والمعنى : إني أراني أعصر عنبا ، فسماه باسم ما يؤول إليه لكونه المقصود من العصر .
وفي قراءة ابن مسعود أعصر عنبا . قال الأصمعي : أخبرني المعتمر بن سليمان أنه لقى أعرابيا ومعه عنب ، فقال له :
ما معك ؟ فقال خمر . وقيل معنى أعصر خمرا : أي عنب خمر ، فهو على حذف المضاف ، وهذا الذي رأى هذه
الرؤيا هو الساقي ، وهذه الجملة مستأنفة بتقدير سؤال ، وكذلك الجملة التي بعدها وهى ( وقال الآخر إني أراني
أحمل فوق رأسي خبزا ) ثم وصف الخبز هذا بقوله ( تأكل الطير منه ) وهذا الرائي لهذه الرؤيا هو الخباز ، ثم قالا
ليوسف جميعا بعد أن قصا رؤياهما عليه ( نبئنا بتأويله ) أي بتأويل ما قصصناه عليك من مجموع المرئيين ، أو بتأويل
المذكور لك من كلامنا ، وقيل إن كل واحد منهما قال له ذلك عقب قص رؤياه عليه ، فيكون الضمير راجعا
إلى ما رآه كل واحد منهما ، وقيل إن الضمير في بتأويله موضوع موضع اسم الإشارة ، والتقدير بتأويل ذلك
( إنا نراك من المحسنين ) أي من الذين يحسنون عبارة الرؤيا وكذا قال الفراء : إن معنى من المحسنين من العالمين الذين
أحسنوا العلم . وقال ابن إسحاق : من المحسنين إلينا إن فسرت ذلك ، أو من المحسنين إلى أهل السجن ، فقد روى أنه
كان كذلك ، وجملة ( قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ) مستأنفة جواب سؤال مقدر ،
ومعنى ذلك أنه يعلم شيئا من الغيب ، وأنه لا يأتيهما إلى السجن طعام إلا أخبرهما بماهيته قبل أن يأتيهما ، وهذا ليس
من جواب سؤالهما تعبير ما قصاه عليه ، بل جعله عليه السلام مقدمة قبل تعبيره لرؤياهما بيانا لعلو مرتبته في العلم ،
وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون الرؤيا عن ظن وتخمين ، فهو كقول عيسى عليه السلام - وأنبئكم بما تأكلون -
وإنما قال يوسف عليه السلام لهما بهذا ليحصل الانقياد منهما له فيما يدعوهما إليه بعد ذلك من الإيمان بالله والخروج
من الكفر ، ومعنى ترزقانه : يجري عليهما من جهة الملك أو غيره ، والجملة صفة لطعام ، أو يرزقكما الله سبحانه .
والاستثناء بقوله ( إلا نبأتكما بتأويله ) مفرغ من أعم الأحوال : أي لا يأتيكما طعام في حال من الأحوال إلا حال
ما نبأتكما : أي بينت لكما ماهيته وكيفيته قبل أن يأتيكما ، وسماه تأويلا بطريق المشاكلة ، لأن الكلام في تأويل
الرؤيا ، أو المعنى : إلا نبأتكما بما يؤول إليه الكلام من مطابقة ما أخبركما به للواقع ، والإشارة بقوله ( ذلكما ) إلى
التأويل ، والخطاب للسائلين له عن تعبير رؤياهما ( مما علمني ربى ) بما أوحاه إلي وألهمني إياه لا من قبيل الكهانة
والتنجيم ونحو ذلك مما يكثر فيه الخطأ ، ثم بين لهما أن ذلك الذي ناله من هذه الرتبة العلية والعلوم الجمة هو بسبب ترك
الملة التي لا يؤمن أهلها بالله ولا بالآخرة واتباعه لملة الأنبياء من آبائه فقال ( إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ) وهو
كلام مستأنف يتضمن التعليل لما قبله ، والمراد بالترك هو عدم التلبس بذلك من الأصل ، لا أنه قد كان تلبس به ،
ثم تركه كما يدل عليه قوله ( ما كان لنا أن نشرك بالله ) ثم وصف هؤلاء القوم بما يدل على تصلبهم في الكفر
وتهالكهم عليه . فقال ( وهم بالآخرة هم كافرون ) أي هم مختصون بذلك دون غيرهم لإفراطهم في الكفر بالله .
وقوله ( واتبعت ) معطوف على تركت ، وسماهم آباء جميعا لأن الأجداد آباء ، وقدم الجد الأعلى ، ثم الجد
الأقرب ثم الأب لكون إبراهيم هو أصل هذه الملة التي كان عليها أولاده ثم تلقاها عنه إسحاق ثم يعقوب . وهذا منه
عليه السلام لترغيب صاحبيه في الإيمان بالله ( ما كان لنا أن نشرك بالله ) أي ما صح لنا ذلك فضلا عن وقوعه .
والضمير في لنا له وللأنبياء المذكورين ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى الإيمان المفهوم من قوله ما كان لنا أن نشرك
فتح القدير — صفحة 26
مساهمون: الشوكاني
ص٢٦