سورة يوسف الآية ( 37 40 )
معنى ( بدا لهم ) ظهر لهم ، والضمير للعزيز وأصحابه الذين يدبرون الأمر معه ويشيرون عليه ، وأما فاعل
( بدا لهم ) فقال سيبويه هو ليسجننه : أي ظهر لهم أن يسجنوه . قال المبرد : وهذا غلط لأن الفاعل لا يكون جملة ،
ولكن الفاعل ما دل عليه " بدا " وهو المصدر كما قال الشاعر : وحق لمن أبو موسى أبوه * يوفقه الذي نصب الجبالا
أي وحق الحق فحذف الفاعل لدلالة الفعل عليه - وقيل الفاعل المحذوف هو رأي : أي وظهر لهم رأي لم
يكونوا يعرفونه من قبل ، وهذا الفاعل حذف لدلالته ليسجننه عليه . واللام في ليسجننه جواب قسم محذوف على
تقدير القول : أي ظهر لهم من بعد ما رأوا الآيات قائلين والله ليسجننه . وقرئ " لتسجننه " بالمثناة الفوقية على
الخطاب . إما للعزيز ومن معه ، أو له وحده على طريق التعظيم . والآيات قيل هي القميص وشهادة الشاهد وقطع
الأيدي ، وقيل هي البركات التي فتحها الله عليهم بعد وصول يوسف إليهم ولم يجد ذلك فيهم بل كانت امرأته هي
الغالبة على رأيه الفاعلة لما يطابق هواها في يوسف . وإنفاذ ما تقدم منها من الوعيد له بقولها - ولئن لم يفعل ما آمره
به ليسجنن وليكونا من الصاغرين - قيل وسبب ظهور هذا الرأي لهم في سجن يوسف أنهم أرادوا ستر القالة ،
وكتم ما شاع في الناس من قصة امرأة العزيز معه ، وقيل إن العزيز قصد بسجنه الحيلولة بينه وبين امرأته لما علم
أنها قد صارت بمكان من حبه لا تبالي معه بحمل نفسها عليه على أي صفة كانت ، ومعنى قوله ( حتى حين ) إلى
مدة غير معلومة كما قاله أكثر المفسرين ، وقيل إلى انقطاع ما شاع في المدينة . وقال سعيد بن جبير : إلى سبع
سنين . وقيل إلى خمس . وقيل إلى ستة أشهر ، وقد تقدم في البقرة الكلام في تفسير الحين ، وحتى بمعنى إلى .
قوله ( ودخل معه السجن فتيان ، في الكلام حذف متقدم عليه ، والتقدير : وبدا لهم من بعد ما رأوا الآيات
ليسجننه حتى حين فسجنوه ، ودخل معه السجن فتيان ، ومع للمصاحبة ، وفتيان تثنية فتى ، وذلك يدل على
أنهما عبدان له ، ويحتمل أن يكون الفتى اسما للخادم وإن لم يكن مملوكا ، وقد قيل إن أحدهما خباز الملك ، والآخر
ساقيه ، وقد كانا وضعا للملك سما لما ضمن لهما أهل مصر مالا في مقابلة ذلك ، ثم إن الساقي رجع عن ذلك وقال
للملك : لا تأكل الطعام فإنه مسموم ، وقال الخباز : لا تشرب فإن الشراب مسموم ، فقال الملك للساقي : اشرب
فتح القدير — صفحة 25
مساهمون: الشوكاني
ص٢٥