الدين في ورد ولا صدر ، فما أغنى عباد الله عنها وأحوجهم إلى غيرها من مسائل التكليف ( قالت فذلكن الذي
لمتنني فيه ) الإشارة إلى يوسف . والخطاب للنسوة : أي عيرتنني فيه . قالت لهن هذا لما رأت افتتانهن بيوسف
إظهارا لعذر نفسها ، ومعنى فيه : أي في حبه ، وقيل الإشارة إلى الحب ، والضمير له أيضا ، والمعنى : فذلك
الحب الذي لمتنني فيه هو ذلك الحب ، والأول أولى . ورجحه ابن جرير . وأصل اللوم : الوصف بالقبيح . ثم
لما أظهرت عذر نفسها عند النسوة بما شاهدته مما وقعن فيه عند ظهوره لهن ضاق صدرها عن كتم ما تجده في قلبها
من حبه . فأقرت بذلك وصرحت بما وقع منها من المراودة له ، فقالت ( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) أي
استعف وامتنع مما أريده طالبا لعصمة نفسه عن ذلك ، ثم توعدته إن لم يفعل ما تريده كاشفة لجلباب الحياء هاتكة
لستر العفاف فقالت ( ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ) أي لئن لم يفعل ما قد أمرته به فيما تقدم
ذكره عند أن غلقت الأبواب وقالت هيت لك ليسجنن : أي يعتقل في السجن وليكونن من الصاغرين الأذلاء لما
يناله من الإهانة . ويسلب عنه من النعمة والعزة في زعمها ، قرىء " ليكونن " بالتثقيل والتخفيف قيل والتخفيف
أولى لأن النون كتبت في المصحف ألفا على حكم الوقف . وذلك لا يكون إلا في الخفيفة ، وأما ليسجنن فبالتثقيل
لا غير . فلما سمع يوسف مقالها هذا ، وعرف أنها عزمة منها مع ما قد علمه من نفاذ قولها عند زوجها العزيز قال
مناجيا لربه سبحانه ( رب السجن ) أي يا رب السجن الذي أوعدتني هذه به ( أحب إلى مما يدعونني إليه ) من
مؤاتاتها والوقوع في المعصية العظيمة التي تذهب بخير الدنيا والآخرة . قال الزجاج : أي دخول السجن ، فحذف
المضاف . وحكى أبو حاتم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قرأ " السجن " بفتح السين . وقرأ كذلك ابن أبي إسحاق
وعبد الرحمن الأعرج ويعقوب ، وهو مصدر سجنه سجنا ، وإسناد الدعوة إليهن جميعا ، لأن النسوة رغبنه يكون في
مطاوعتها وخوفنه من مخالفتها ، ثم جرى على هذا في نسبته الكيد إليهن جميعا ، فقال ( وإلا تصرف عنى كيدهن )
أما الكيد من امرأة العزيز فما قد قصه الله سبحانه في هذه السورة ، وأما كيد سائر النسوة فهو ما تقدم من الترغيب
له في المطاوعة والتخويف من المخالفة ، وقيل إنها كانت كل واحدة تخلو به وحدها وتقول له : يا يوسف اقض
لي حاجتي فأنا خير لك من امرأة العزيز ، وقيل إنه خاطب امرأة العزيز بما يصلح لخطاب جماعة النساء تعظيما لها ،
أو عدولا عن التصريح إلى التعريض ، والكيد : الاحتيال ، وجزم ( أصب إليهن ) على أنه جواب الشرط : أي
أمل إليهن ، من صبا يصبو : إذا مال واشتاق ، ومنه قول الشاعر :
إلى هند صبا قلبي * وهند حبها يصبي
( وأكن من الجاهلين ) معطوف على أصب : أي أكن ممن يجهل ما يحرم ارتكابه ويقدم عليه ، أو ممن يعمل
عمل الجهال . قوله ( فاستجاب له ربه ) لما قال : وإلا تصرف عنى كيدهن كان ذلك منه تعرضا للدعاء ، وكأنه
قال : اللهم اصرف عني كيدهن ، فالاستجابة من الله تعالى له هي بهذا الاعتبار ، لأنه لم يتقدم دعاء صريح منه
عليه السلام ، والمعنى : أنه لطف به وعصمه عن الوقوع في المعصية . لأنه إذا صرف عنه كيدهن لم يقع شئ مما
رمنه منه ، ووجه إسناد الكيد قد تقدم ، وجملة ( إنه هو السميع العليم ) تعليل لما قبلها من صرف كيد النسوة عنه :
أي إنه هو السميع لدعوات الداعين له : العليم بأحوال الملتجئين إليه .
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( قد شغفها ) قال : غلبها . وأخرج ابن أبي حاتم
وأبو الشيخ عنه ( قد شغفها ) قال : قتلها حب يوسف ، الشغف : الحب القاتل ، والشعف : حب دون ذلك ،
والشغاف : حجاب القلب . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا ( قد شغفها ) قال : قد علقها . وأخرج
فتح القدير — صفحة 23
مساهمون: الشوكاني
ص٢٣