فيه حصباء ، فالحاصب ذو الحصباء كاللابن ، والتامر ، وقيل الحاصب حجارة من السماء تحصبهم كما فعل بقوم
لوط ، ويقال للسحابة التي ترمي بالبرد حاصب ، ومنه قول الفرزدق :
مستقبلين جبال الشام تضربنا * بحاصب كنديف القطن منثور
( ثم لا تجدوا لكم وكيلا ) أي حافظا ونصيرا يمنعكم من بأس الله ( أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ) أي
في البحر مرة أخرى بأن يقوى دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى ركوبه ، وجاء بفي ولم يقل إلى البحر للدلالة على
استقرارهم فيه ( فيرسل عليكم قاصفا من الريح ) القاصف : الريح الشديدة التي تكسر بشدة ، من قصف الشئ
يقصفه : أي كسره بشدة ، والقصف : الكسر . أو هو الريح التي لها قصيف : أي صوت شديد من قولهم رعد
قاصف : أي شديد الصوت ( فيغرقكم ) قرأ أبو جعفر وشيبة ورويس ومجاهد " فتغرقكم " بالتاء الفوقية على أن فاعله
الريح وقرأ الحسن وقتادة وابن وردان " فيغرقكم " بالتحتية والتشديد في الراء . وقرأ أبو جعفر أيضا " الرياح " .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنون في جميع هذه الأفعال . وقرأ الباقون بالياء التحتية في جميعها أيضا ، والباء في بما كفرتم
للسببية : أي بسبب كفركم ( ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ) أي ثائرا يطالبنا بما فعلنا . قال الزجاج : لا تجدوا من
يتبعنا بإنكار ما نزل بكم . قال النحاس : وهو من الثأر ، وكذا يقال لكل من طلب بثأر أو غيره تبيع وتابع ( ولقد
كرمنا بني آدم ) هذا إجمال لذكر النعمة التي أنعم الله بها على بني آدم : أي كرمناهم جميعا ، وهذه الكرامة يدخل
تحتها خلقهم على هذه الهيئة الحسنة وتخصيصهم بما خصهم به من المطاعم والمشارب والملابس على وجه لا يوجد
لسائر أنواع الحيوان مثله . وحكى ابن جرير عن جماعة أن هذا التكريم هو أنهم يأكلون بأيديهم ، وسائر الحيوانات
تأكل بالفم ، وكذا حكاه النحاس . وقيل ميزهم بالنطق والعقل والتمييز ، وقيل أكرم الرجال باللحى والنساء
بالذوائب . وقال ابن جرير : أكرمهم بتسليطهم على سائر الخلق وتسخير سائر الخلق لهم ، وقيل بالكلام والخط
والفهم ، ولا مانع من حمل التكريم المذكور في الآية على جميع هذه الأشياء . وأعظم خصال التكريم العقل ، فإن
به تسلطوا على سائر الحيوانات ، وميزوا بين الحسن والقبيح ، وتوسعوا في المطاعم والمشارب ، وكسبوا الأموال
التي تسببوا بها إلى تحصيل أمور لا يقدر عليها الحيوان ، وبه قدروا على تحصيل الأبنية التي تمنعهم مما يخافون ، وعلى
تحصيل الأكسية التي تقيهم الحر والبرد ، وقيل تكريمهم : هو أن جعل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم منهم
( وحملناهم في البر والبحر ) هذا تخصيص لبعض أنواع التكريم ، حملهم سبحانه في البر على الدواب ، وفى البحر
على السفن ، وقيل حملناهم فيهما حيث لم نخسف بهم ولم نغرقهم ( ورزقناهم من الطيبات ) أي لذيذ المطاعم والمشارب
وسائر ما يستلذونه الله وينتفعون به ( وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) أجمل سبحانه هذا الكثير ولم يبين أنواعه
فأفاد ذلك أن بني آدم فضلهم سبحانه على كثير من مخلوقاته ، وقد جعل بعض أهل العلم الكثير هنا بمعنى الجميع
وهو تعسف لا حاجة إليه .
وقد شغل كثير من أهل العلم بما لم تكن إليه حاجة ولا تتعلق به فائدة ، وهو مسألة تفضيل الملائكة على الأنبياء
أو الأنبياء على الملائكة ، ومن جملة ما تمسك به مفضلو الأنبياء على الملائكة هذه الآية ، ولا دلالة لها على المطلوب
لما عرفت من إجمال الكثير وعدم تبيينه ، والتعصب في هذه المسئلة هو الذي حمل بعض الأشاعرة على تفسير الكثير
هنا بالجميع حتى يتم له التفضيل على الملائكة ، وتمسك بعض المعتزلة بهذه الآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء ،
ولا دلالة بها على ذلك ، فإنه لم يقم دليل على أن الملائكة من القليل الخارج عن هذا الكثير ، ولو سلمنا ذلك
فليس فيما خرج عن هذا الكثير ما يفيد أنه أفضل من بني آدم ، بل غاية ما فيه أنه لم يكن الإنسان مفضلا عليه .
فتح القدير — صفحة 244
مساهمون: الشوكاني
ص٢٤٤