سورة الإسراء الآية ( 64 - 65 )
لما ذكر سبحانه أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان في بلية عظيمة من قومه ومحنة شديدة أراد أن يبين
أن جميع الأنبياء كانوا كذلك ، حتى أن هذه عادة قديمة سنها إبليس اللعين ، وأيضا لما ذكر أن الذين يدعون
يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ذكر ها هنا ما يحقق ذلك فقال ( وإذ قلنا
للملائكة اسجدوا لآدم ) هذه القصة قد ذكرها الله سبحانه في سبعة مواضع : في البقرة ، والأعراف ، والحجر ،
وهذه السورة ، والكهف ، وطه ، وص ، وقد تقدم تفسيرها مبسوطا فلنقتصر هاهنا على تفسير ما لم يتقدم
ذكره من الألفاظ . فقوله ( طينا ) منتصب بنزع الخافض : أي من طين ، أو على الحال . قال الزجاج
المعنى لمن خلقته طينا ، وهو منصوب على الحال ( أرأيتك ) أي أخبرني عن هذا الذي فضلته علي لم فضلته ؟ وقد
- خلقتني من نار وخلقته من طين - فحذف هذا للعلم به ( لأحتنكن ذريته ) أي لأستولين عليهم بالإغواء والإضلال
قال الواحدي : أصله من احتناك الجراد الزرع ، وهو أن تستأصله بأحناكها وتفسده ، هذا هو الأصل ، ثم سمى
الاستيلاء على الشئ ، وأخذه كله احتناكا ، وقيل معناه : لأسوقنهم حيث شئت وأقودنهم حيث أردت ، من
قولهم حنكت الفرس أحنكه حنكا : إذا جعلت في فيه الرسن ، والمعنى الأول أنسب بمعنى هذه الآية ، ومنه
قول الشاعر :
أشكو إليك سنة قد أجحفت * جهدا إلى جهد بنا وأصعقت * واحتنكت أموالنا واختلفت .
أي استأصلت أموالنا ، واللام في ( لئن أخرتن ) هي الموطئة . وإنما أقسم اللعين هذا القسم على أنه سيفعل
بذرية آدم ما ذكره لعلم قد سبق إليه من سمع استرقه ، أو قاله لما ظنه من قوة نفوذ كيده في بني آدم ، وأنه يجري
منهم في مجاري الدم ، وأنهم بحيث يروج عندهم كيده وتنفق لديهم وسوسته إلا من عصم الله ، وهم المرادون بقوله
( إلا قليلا ) وفى معنى هذا الاستثناء قوله سبحانه ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى
- ولقد صدق عليهم إبليس ظنه - فإنه يفيد أنه قال ما قاله هنا اعتمادا على الظن ، وقيل إنه استنبط ذلك من قول
الملائكة - أتجعل فيها من يفسد فيها - . وقيل علم ذلك من طبع البشر لما ركب فيهم من الشهوات ، أو ظن ذلك
لأنه وسوس لآدم ، فقبل منه ذلك ولم يجد له عزما ، كما روى عن الحسن ( قال اذهب فمن تبعك منهم ) أي أطاعك
( فإن جهنم جزاؤكم ) أي إبليس ومن أطاعه ( جزاء موفورا ) أي وافرا مكملا ، يقال : وفرته أفره وفرا ، ووفر
المال بنفسه يفر وفورا ، فهو وافر ، فهو مصدر ، ومنه قول زهير :
ومن يجعل المعروف من دون عرضه * يفره ومن لا يتقي الشتم يشتم
ثم كرر سبحانه الإمهال لإبليس اللعين فقال ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك ) أي استزعج واستخف
من استطعت من بني آدم ، يقال أفزه واستفزه : أي أزعجه واستخفه ، والمعنى : استخفهم بصوتك داعيا لهم إلى
معصية الله ، وقيل هو الغناء واللهو واللعب والمزامير ( وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ) قال الفراء وأبو عبيدة :
فتح القدير — صفحة 241
مساهمون: الشوكاني
ص٢٤١