به ، ومع ذلك يجعلون لما لا يعلمون حقيقته من الجمادات والشياطين نصيبا مما رزقناهم من أموالهم يتقربون به إليه .
وقيل المعنى : أنهم أي الكفار يجعلون للأصنام وهم لا يعلمون شيئا لكونهم جمادات ، ففاعل يعلمون على هذا هي
الأصنام وأجراها مجرى العقلاء في جمعها بالواو والنون جريا على اعتقاد الكفار فيها . وحاصل المعنى : ويجعل
هؤلاء الكفار للأصنام التي لا تعقل شيئا نصيبا من أموالهم التي رزقهم الله إياها ( تالله لتسألن عما كنتم تفترون ) هذا
رجوع من الغيبة إلى الخطاب ، وهذا السؤال سؤال تقريع وتوبيخ ( عما كنتم تفترون ) تختلقونه من الكذب على
الله سبحانه في الدنيا ( ويجعلون لله البنات ) هذا نوع آخر من فضائحهم وقبائحهم ، وقد كانت خزاعة وكنانة تقول
الملائكة بنات الله ( سبحانه ) نزه سبحانه نفسه عما نسبه إليه هؤلاء الجفاة الذين لا عقول لهم صحيحة ولا أفهام
مستقيمة - إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل - وفى هذا التنزيه تعجيب من حالهم ( ولهم ما يشتهون ) أي ويجعلون
لأنفسهم ما يشتهوونه من البنين على أن " ما " في محل نصب بالفعل المقدر ، ويجوز أن تكون في محل رفع على
الابتداء . وأنكر النصب الزجاج قال : لأن العرب لا يقولون جعل له كذا وهو يعنى نفسه ، وإنما يقولون جعل
لنفسه كذا ، فلو كان منصوبا لقال ولأنفسهم ما يشتهون . وقد أجاز النصب الفراء . ثم ذكر سبحانه كراهتهم للإناث
التي جعلوها لله سبحانه فقال ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ) أي إذا أخبر أحدهم بولادة بنت له ( ظل وجهه مسودا )
أي متغيرا ، وليس المراد السواد الذي هو ضد البياض ، بل المراد الكناية بالسواد عن الانكسار والتغير بما يحصل
من الغم ، والعرب تقول لكل من لقى مكروها قد اسود وجهه غما وحزنا قاله الزجاج . وقال الماوردي : بل
المراد سواد اللون حقيقة ، قال : وهو قول الجمهور ، والأول أولى ، فإن المعلوم بالوجدان أن من غضب وحزن
واغتم لا يحصل في لونه إلا مجرد التغير وظهور الكآبة والانكسار لا السواد الحقيقي ، وجملة ( وهو كظيم ) في محل
نصب على الحال : أي ممتلئ من الغم غيظا وحنقا . قال الأخفش : هو الذي يكظم غيظه ولا يظهره ، وقيل إنه
المغموم الذي يطبق فاه من الغم ، مأخوذ من الكظامة وهو سد فم البئر قاله علي بن عيسى ، وقد تقدم في سورة
يوسف ( يتوارى من القوم ) أي يتغيب ويختفي ( من سوء ما بشر به ) أي من سوء الحزن والعار والحياء الذي يلحقه
بسبب حدوث البنت له ( أيمسكه على هون ) أي لا يزال مترددا بين الأمرين : وهو إمساك البنت التي بشر بها ،
أو دفنها في التراب ( على هون ) أي هوان ، وكذا قرأ عيسى الثقفي . قال اليزيدي : والهون الهوان بلغة قريش ،
وكذا حكاه أبو عبيد عن الكسائي ، وحكى عن الكسائي أنه البلاء والمشقة ، قالت الخنساء ،
نهين النفوس وهون النفو * س يوم الكريهة أبقى لها *
وقال الفراء : الهون القليل بلغة تميم . وحكى النحاس عن الأعمش أنه قرأ " أيمسكه " " على سوء ( أم يدسه
في التراب ) أي يخفيه في التراب بالوأد كما كانت تفعله العرب ، فلا يزال الذي بشر بحدوث الأنثى مترددا بين
هذين الأمرين ، والتذكير في يمسكه ويدسه مع كونه عبارة عن الأنثى لرعاية اللفظ . وقرأ الجحدري " أم يدسها
في التراب " ويلزمه أن يقرأ أيمسكها ، وقيل دسها إخفاؤها عن الناس حتى لا تعرف كالمدسوس لإخفائه عن الأبصار
( ألا ساء ما يحكمون ) حيث أضافوا البنات التي يكرهونها إلى الله سبحانه وأضافوا البنين المحبوبين عندهم إلى أنفسهم
ومثل هذا قوله تعالى - ألكم الذكر وله الأنثى . تلك إذا قسمة ضيزى - ( للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ) أي
لهؤلاء الذين وصفهم الله سبحانه بهذه القبائح الفظيعة مثل السوء : أي صفة السوء من الجهل والكفر بالله ، وقيل
هو وصفهم لله سبحانه بالصاحبة والولد ، وقيل هو حاجتهم إلى الولد ليقوم مقامهم ووأد البنات لدفع العار وخشية
الإملاق ، وقيل العذاب والنار ( ولله المثل الأعلى ) وهو أضداد صفة المخلوقين من الغنى الكامل والجود الشامل
فتح القدير — صفحة 170
مساهمون: الشوكاني
ص١٧٠