والعلم الواسع ، أو التوحيد وإخلاص العبادة ، أو أنه خالق رازق قادر مجاز ، وقيل شهادة أن لا إله إلا الله ،
وقيل - الله نور السماوات والأرض مثل نوره - ( وهو العزيز ) الذي لا يغالب فلا يضره نسبتهم إليه ما لا يليق به
( الحكيم ) في أفعاله وأقواله . ثم لما حكى سبحانه عن القوم عظيم كفرهم بين سعة كرمه وحلمه حيث لم يعاجلهم
بالعقوبة ولم يؤاخذهم بظلمهم ، فقال ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ) والمراد بالناس هنا الكفار أو جميع العصاة
( ما ترك عليها ) أي على الأرض وإن لم يذكر فقد دل عليها ذكر الناس وذكر الدابة ، فإن الجميع مستقرون
على الأرض ، والمراد بالدابة الكافر ، وقيل كل ما دب ، وقد قيل على هذا كيف يعم بالهلاك مع أن فيهم من لا ذنب
له ؟ وأجيب بإهلاك الظالم انتقاما منه ، وإهلاك غيره إن كان من أهل التكليف فلأجل توفير أجره ، وإن كان من
غيرهم فبشؤم ظلم الظالمين ، ولله الحكمة البالغة - لا يسأل عما يفعل وهو يسألون - ، ومثل هذا قوله - واتقوا فتنة
لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة - . وفى معنى هذا أحاديث منها ما عند مسلم وغيره من حديث ابن عمر قال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا
على نياتهم " وكذلك حديث الجيش " الذين يخسف بهم في البيداء " وفى آخره : أنهم يبعثون على نياتهم " وقد قدمنا
عند تفسير قوله سبحانه - واتقوا فتنة - الآية تحقيقا حقيقا بالمراجعة له ( ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ) معلوم عنده
وهو منتهى حياتهم وانقضاء أعمارهم أو أجل عذابهم ، وفى هذا التأخير حكمة بالغة منها الإعذار إليهم وإرخاء
العنان معهم ، ومنها حصول من سبق في علمه من أولادهم ( فإذا جاء أجلهم ) الذي سماه لهم حقت عليهم كلمة الله
سبحانه في ذلك الوقت من دون تقدم عليه ولا تأخر عنه ، والساعة المدة القليلة ، وقد تقدم تفسيرها هذا وتحقيقه .
ثم ذكر نوعا آخر من جهلهم وحمقهم فقال ( ويجعلون لله ما يكرهون ) أي ينسبون إليه سبحانه ما يكرهون نسبته
إلى أنفسهم من البنات ، وهو تكرير لما قد تقدم لقصد التأكيد والتقرير ولزيادة التوبيخ والتقريع ( وتصف
ألسنتهم الكذب ) هذا من النوع الآخر الذي ذكره سبحانه من قبائحهم وهو : أي هذا الذي تصفه ألسنتهم من
الكذب هو قولهم ( أن لهم الحسنى ) أي الخصلة الحسنى ، أو العاقبة الحسنى ، قال الزجاج : يصفون أن لهم مع
قبح قولهم من الله الجزاء الحسن . قال الزجاج أيضا والفراء : أبدل من قوله وتصف ألسنتهم الكذب قوله أن لهم
الحسنى ، والكذب منصوب على أنه مفعول تصف . وقرأ ابن عباس وأبو العالية ومجاهد وابن محيصن الكذب برفع
الكاف والذال والباء على أنه صفة للألسن وهو جمع كذب ، فيكون المفعول على هذا هو أن لهم الحسنى . ثم رد الله
سبحانه عليهم بقوله ( لا جرم أن لهم النار ) أي حقا أن لهم مكان ما جعلوه لأنفسهم من الحسنى النار ، وقد تقدم
تحقيق هذا ( وأنهم مفرطون ) قال ابن الأعرابي وأبو عبيدة : أي متروكون منسيون في النار ، وبه قال الكسائي والفراء
فيكون مشتقا من أفرطت فلانا خلفي : إذا خلفته ونسيته . وقال قتادة والحسن : معجلون إليها مقدمون في دخولها
من أفرطته : أي قدمته في طلب الماء ، والفارط هو الذي يتقدم إلى الماء ، والفراط المتقدمون في طلب الماء ،
والوراد المتأخرون ، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " أنا فرطكم على الحوض " أي متقدمكم . قال القطامي :
فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا * كما تعجل فراط لوراد
وقرأ نافع في رواية ورش " مفرطون " بكسر الراء وتخفيفها ، وهى قراءة ابن مسعود وابن عباس ، ومعناه :
مسرفون في الذنوب والمعاصي ، يقال أفرط فلان على فلان : إذا أربى عليه وقال له أكثر مما قال من الشر . وقرأ
أبو جعفر القارى " مفرطون " بكسر الراء وتشديدها : أي مضيعون أمر الله ، فهو من التفريط في الواجب . وقرأ
الباقون " مفرطون " بفتح الراء مخففا ، ومعناه : مقدمون إلى النار .
فتح القدير — صفحة 171
مساهمون: الشوكاني
ص١٧١