على دعواكم أساطير الأولين ، أو يقولون ذلك من أنفسهم على طريق السخرية . والأساطير : الأباطيل والترهات
التي يتحدث الناس بها عن القرون الأولى . وليس من كلام الله في شئ ولا مما أنزله الله أصلا في زعمهم ( ليحملوا
أوزارهم كاملة ) أي قالوا هذه المقالة لكي يحملوا أوزارهم كاملة . لم يكفر منها شئ لعدم إسلامهم الذي هو سبب
لتكفير الذنوب ، وقيل إن اللام هي لام العاقبة ، لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لأجل يحملون الأوزار ،
ولكن لما كان عاقبتهم ذلك حسن التعليل به كقوله - ليكون لهم عدوا وحزنا - وقيل هي لام الأمر ( ومن أوزار
الذين يضلونهم ) أي ويحملون بعض أوزار الذين أضلوهم لأن من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل
بها ، وقيل من للجنس لا للتبعيض : أي يحملون كل أوزار الذين يضلونهم ، ومحل ( بغير علم ) النصب على الحال
من فاعل " يضلونهم " أي يضلون الناس جاهلين غير عالمين بما يدعونهم إليه ، ولا عارفين بما يلزمهم من الآثام ،
وقيل إنه حال من المفعول : أي يضلون من لا علم له ، ومثل هذه الآية - وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم - .
وقد تقدم في الأنعام الكلام على قوله - ولا تزر وازرة وزر أخرى - ( ألا ساء ما يزرون ) أي بئس شيئا يزرونه
ذلك . ثم حكى سبحانه حال أضرابهم من المتقدمين فقال ( قد مكر الذين من قبلهم ) ذهب أكثر المفسرين إلى أن
المراد به نمروذ بن كنعان حيث بنى بناء عظيما ببابل ، ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها ، فأهب الله الريح ، فخر
ذلك البناء عليه وعلى قومه فهلكوا ، والأولى أن الآية عامة في جميع المبطلين من المتقدمين الذين يحاولون إلحاق
الضر بالمحقين ، ومعنى المكر هنا الكيد والتدبير الذي لا يطابق الحق ، وفى هذا وعيد للكفار المعاصرين له صلى الله
عليه وآله وسلم بأن مكرهم سيعود عليهم كما عاد مكر من قبلهم على أنفسهم ( فأتى الله بنيانهم ) أي أتى أمر الله ،
وهو الريح التي أخربت بنيانهم . قال المفسرون : أرسل الله ريحا فألقت رأس الصرح في البحر ، وخر عليهم
الباقي ( من القواعد ) قال الزجاج : من الأساطين ، والمعنى : أنه أتاها أمر الله من جهة قواعدها فزعزعها ( فخر
عليهم السقف من فوقهم ) قرأ ابن أبي هريرة وابن محيصن " السقف " بضم السين والقاف جميعا . وقرأ مجاهد بضم
السين وسكون القاف ، وقرأ الباقون " السقف " بفتح السين وسكون القاف ، والمعنى : أنه سقط عليهم السقف ،
لأنه بعد سقوط قواعد البناء يسقط جميع ما هو معتمد عليها . قال ابن الأعرابي ، وإنما قال من فوقهم ( ليعلمك
أنهم كانوا حالين تحته ، والعرب تقول خر علينا سقف ، ووقع علينا حائط إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه ،
فجاء بقوله ( من فوقهم ) ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب ، لقال ( من فوقهم ) أي عليهم وقع ، وكانوا
تحته فهلكوا ، وما أفلتوا ، وقيل إن المراد بالسقف السماء : أي أتاهم العذاب من السماء التي فوقهم ، وقيل إن هذه
الآية تمثيل لهلاكهم ، والمعنى : أهلكهم فكانوا بمنزلة من سقط بنيانه عليه .
وقد اختلف في هؤلاء الذين خر عليهم السقف ، فقيل هو نمروذ كما تقدم ، وقيل إنه بختنصر وأصحابه ، وقيل
هم المقسمون الذين تقدم ذكرهم في سورة الحجر ( وأتاهم العذاب ) أي الهلاك ( من حيث لا يشعرون ) به ، بل
من حيث أنهم في أمان ، ثم بين سبحانه أن عذابهم غير مقصور على عذاب الدنيا . فقال ( ثم يوم القيامة يخزيهم )
بإدخالهم النار ، ويفضحهم بذلك ويهينهم ، وهو معطوف على مقدر : أي هذا عذابهم في الدنيا ، ثم يوم القيامة
يخزيهم ( ويقول ) لهم مع ذلك توبيخا وتقريعا ( أين شركائي ) كما تزعمون وتدعون ، قرأ ابن كثير من رواية البزي
" شركاى " من دون همز ، وقرأ الباقون بالهمز ، ثم وصف هؤلاء الشركاء بقوله ( الذين كنتم تشاقون فيهم ) قرأ
نافع بكسر النون على الإضافة ، وقرأ الباقون بفتحها ، أي تخاصمون الأنبياء والمؤمنين فيهم ، وعلى قراءة نافع
تخاصمونني فيهم وتعادونني : ادعوهم فليدفعوا عنكم هذا العذاب النازل بكم .
فتح القدير — صفحة 157
مساهمون: الشوكاني
ص١٥٧