شرع سبحانه في تحقيق كون الأصنام التي أشار إليها بقوله ( كمن لا يخلق ) عاجزة على أن يصدر منها خلق
شئ فلا تستحق عبادة فقال ( والذين تدعون من دون الله ) أي الآلهة الذين يدعوهم الكفار من دون الله سبحانه
صفتهم هذه الصفات المذكورة ، وهى أنهم ( لا يخلقون شيئا ) من المخلوقات أصلا لا كبيرا ولا صغيرا ولا جليلا
ولا حقيرا ( وهم يخلقون ) أي وصفتهم أنهم يخلقون ، فكيف يتمكن المخلوق من أن يخلق غيره ؟ ففي هذه الآية
زيادة بيان لأنه أثبت لهم صفة النقصان بعد أن سلب عنهم صفة الكمال ، بخلاف قوله ( أفمن يخلق كمن لا يخلق )
فإنه اقتصر على مجرد سلب صفة الكمال . وقراءة الجمهور والذين تدعون بالمثناة الفوقية على الخطاب مطابقة لما قبله .
وروى أبو بكر عن عاصم ، وروى هبيرة عن حفص يدعون بالتحية ، وهى قراءة يعقوب ، ثم ذكر صفة أخرى
من صفاتهم فقال ( أموات غير أحياء ) يعنى أن هذه الأصنام أجسادها ميتة لا حياة بها أصلا ، فزيادة " غير أحياء "
لبيان أنها ليست كبعض الأجساد التي تموت بعد ثبوت الحياة لها بل لا حياة لهذه أصلا ، فكيف يعبدونها وهم
أفضل منها ؟ لأنهم أحياء ( وما يشعرون أيان يبعثون ) الضمير في يشعرون للآلهة ، وفى يبعثون للكفار الذين يعبدون
الأصنام ، والمعنى : ما تشعر هذه الجمادات من الأصنام أبان يبعث عبدتهم من الكفار ، ويكون هذا على طريقة
التهكم بهم ، لأن شعور الجماد مستحيل بما هو من الأمور الظاهرة فضلا عن الأمور التي لا يعلمها إلا الله سبحانه ،
وقيل يجوز أن يكون الضمير في يبعثون للآلهة : أي وما تشعر هذه الأصنام أيان تبعث ، ويؤيد ذلك ما روى أن
الله يبعث الأصنام ويخلق لها أرواحا معها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار ، ويدل على هذا قوله - إنكم وما تعبدون
من دون الله حصب جهنم - وقيل قد تم الكلام عند قوله ( وهو يخلقون ) ثم ابتدأ فوصف المشركين بأنهم أموات
غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون ، فيكون الضميران على هذا للكفار ، وعلى القول بأن الضميرين أو أحدهما
للأصنام يكون التعبير عنها مع كونها لا تعقل بما هو للعقلاء جريا على اعتقاد من يعبدها بأنها تعقل . وقرأ السلمي
" إيان " بكسر الهمزة ، وهما لغتان ، وهو في محل نصب بالفعل الذي قبله ( إلهكم إله واحد ) لما زيف سبحانه
طريقة عبدة الأوثان صرح بما هو الحق في نفس الأمر ، وهو وحدانيته سبحانه ، ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار
على شركهم فقال ( فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ) للوحدانية لا يؤثر فيها وعظ ولا ينجع فيها تذكير ( وهم
مستكبرون ) عن قبول الحق ، متعظمون عن الإذعان للصواب ، مستمرون على الجحد ( لا جرم أن الله يعلم
ما يسرون وما يعلنون ) قال الخليل : لا جرم كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا : أي حقا أن الله يعلم ما يسرون من
أقوالهم وأفعالهم وما يعلنون من ذلك ، وقد مر تحقيق الكلام في لا جرم ( إنه لا يحب المستكبرون ) أي لا يحب هؤلاء
الذين يستكبرون عن توحيد الله والاستجابة لأنبيائه ، والجملة تعليل لما تضمنه الكلام المتقدم ( وإذا قيل لهم ماذا
أنزل ربكم ) أي وإذا قال لهؤلاء الكفار المنكرين المستكبرين قائل ماذا أنزل ربكم ؟ أي أي شئ أنزل ربكم ؟
أو ماذا الذي أنزل ؟ قيل القائل النضر بن الحارث والآية نزلت فيه ، فيكون هذا القول منه على طريق التهكم ،
وقيل القائل هو من يفد عليهم ، وقيل القائل المسلمون ، فأجاب المشركون المنكرون المستكبرون ف ( قالوا أساطير
الأولين ) بالرفع : أي ما تدعونه أيها المسلمون نزوله أساطير الأولين ، أو أن المشركين أرادوا السخرية بالمسلمين
فقالوا المنزل عليكم أساطير الأولين . وعلى هذا فلا يرد ما قيل من أن هذا لا يصلح أن يكون جوابا من المشركين ،
وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأولين والكفار لا يقرون بالإنزال ، ووجه عدم وروده هو ما ذكرناه ،
وقيل هو كلام مستأنف : أي ليس ما تدعون إنزاله أيها المسلمون منزلا بل هو أساطير الأولين ، وقد جوز
على مقتضى علم النحو نصب أساطير وإن لم تقع القراءة به ، ولا بد في النصب من التأويل الذي ذكرنا : أي أنزل
فتح القدير — صفحة 156
مساهمون: الشوكاني
ص١٥٦