على أنه مفعول ثان لأنذر ( فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب ) المراد بالذين ظلموا ها هنا هم الناس :
أي فيقولون ، والعدول إلى الإظهار مكان الإضمار للإشعار بأن الظلم هو العلة فيما نزل بهم . هذا إذا كان المراد
بالناس هم الكفار . وعلى تقدير كون المراد بهم من يعم المسلمين ، فالمعنى : فيقول الذين ظلموا منهم وهم الكفار
ربنا أخرنا أمهلنا إلى أجل قريب إلى أمد من الزمان معلوم غير بعيد ( نجب دعوتك ) أي دعوتك لعبادك على ألسن
أنبيائك إلى توحيدك ( ونتبع الرسل ) المرسلين منك إلينا فنعمل بما بلغوه إلينا من شرائعك ، ونتدارك له ما فرط منا من
الإهمال ، وإنما جمع الرسل ، لأن دعوتهم إلى التوحيد متفقة ، فاتباع واحد منهم اتباع لجميعهم ، وهذا منهم
سؤال للرجوع إلى الدنيا لما ظهر لهم الحق في الآخرة - ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه - ثم حكى سبحانه ما يجاب به
عنهم عند أن يقولوا هذه المقالة . فقال ( أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ) أي فيقال لهم هذا القول
توبيخا وتقريعا : أي أو لم تكونوا أقسمتم من قبل هذا اليوم ما لكم من زوال من دار الدنيا ، وقيل إنه لا قسم منهم
حقيقة ، وإنما كان لسان حالهم ذلك لاستغراقهم في الشهوات وإخلادهم إلى الحياة الدنيا ، وقيل قسمهم هذا هو
ما حكاه الله عنهم في قوله - وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت - . وجواب القسم ( ما لكم من زوال
وإنما جاء بلفظ الخطاب في ما لكم من زوال لمراعاة أقسمتم ولولا ذلك لقال : ما لنا من زوال ( وسكنتم في مساكن
الذين ظلموا أنفسهم ) أي استقررتم ، يقال سكن الدار وسكن فيها ، وهى بلاد ثمود ونحوهم من الكفار الذين
ظلموا أنفسهم بالكفر بالله والعصيان له ( وتبين لكم كيف فعلنا بهم ) قرأ عبد الرحمن السلمي نبين بالنون والفعل
المضارع . وقرأ من عداه بالتاء الفوقية والفعل الماضي : أي تبين لكم بمشاهدة الآثار كيف فعلنا بهم من العقوبة
والعذاب الشديد بما فعلوه من الذنوب ، وفاعل تبين ما دلت عليه الجملة المذكورة بعده : أي تبين لكم فعلنا
العجيب بهم ( وضربنا لكم الأمثال ) في كتب الله وعلى ألسن رسله إيضاحا لكم وتقريرا وتكميلا للحجة عليكم
( وقد مكروا مكرهم ) الجملة في محل نصب على الحال : أي فعلنا بهم ما فعلنا ، والحال أنهم قد مكروا في رد
الحق وإثبات الباطل مكرهم العظيم ، الذي استفرغوا فيه وسعهم ( وعند الله مكرهم ) أي وعند الله جزاء مكرهم ، أو
وعند الله مكتوب مكرهم فهو مجازيهم ، أو وعند الله مكرهم الذي يمكرهم به على أن يكون المكر مضافا إلى المفعول ،
قيل والمراد بهم قوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكروا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حين هموا بقتله أو نفيه ،
وقيل المراد ما وقع من النمرود حيث حاول الصعود إلى السماء ، فاتخذ لنفسه تابوتا وربط قوائمه بأربعة نسور ( وإن
كان مكرهم لتزول منه الجبال ) قرأ عمر وعلي وابن مسعود وأبى " وإن كاد مكرهم " بالدال المهملة مكان النون .
وقرأ غيرهم من القراء " وإن كان " بالنون . وقرأ ابن محيصن وابن جريج والكسائي " لتزول " بفتح اللام على أنها لام
الابتداء . وقرأ الجمهور بكسرها على أنها لام الجحود . قال ابن جرير : الاختيار هذه القراءة ، يعنى قراءة الجمهور
لأنها لو كانت زالت لم تكن ثابتة ، فعلى قراءة الكسائي ومن معه تكون إن هي المخففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة ،
وزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدته : أي وإن الشأن كان مكرهم معدا لذلك . قال الزجاج : وإن كان مكرهم
يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال ، فإن الله ينصر دينه ، وعلى قراءة الجمهور . يحتمل وجهين : أحدهما أن تكون إن هي
المخففة من الثقيلة ، والمعنى كما مر . والثاني أن تكون نافية واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله - وما كان الله
ليضيع إيمانكم - والمعنى : ومحال أن تزول الجبال بمكرهم ، على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها
مدى الدهر ، فالجملة على هذا حال من الضمير في مكروا لا من قوله ( وعند الله مكرهم ) أي والحال أن مكرهم
لم يكن لتزول منه الجبال .
فتح القدير — صفحة 116
مساهمون: الشوكاني
ص١١٦