الحلال بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر خيرا وبركة مما تبقونه لأنفسكم من التطفيف والبخس والفساد في الأرض ،
ذكر معناه ابن جرير وغيره من المفسرين . وقال مجاهد : بقية الله طاعته . وقال الربيع : وصيته ، وقال الفراء :
مراقبته ، وإنما قيد ذلك بقوله ( إن كنتم مؤمنين ) لأن ذلك إنما ينتفع به المؤمن لا الكافر ، أو المراد بالمؤمنين هنا
المصدقون لشعيب ( وما أنا عليكم بحفيظ ) أحفظكم من الوقوع في المعاصي من التطفيف والبخس وغيرهما ، أو
أحفظ عليكم أعمالكم وأحاسبكم بها وأجازيكم عليها ، وجملة ( قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك
ما يعبد آباؤنا ) مستأنفة جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل فماذا قالوا لشعيب ؟ وقرئ ( أصلاتك ) بالإفراد ، وأن
نترك في موضع نصب . وقال الكسائي : موضعها خفض على إضمار الباء ، ومرادهم بما يعبد آباؤهم ما كانوا يعبدون
من الأوثان ، والاستفهام للإنكار عليه والاستهزاء به ، لأن الصلوات عندهم ليست من الخير الذي يقال لفاعله عند
إرادة تليين قلبه وتذليل صعوبته كما يقال لمن كان كثير الصدقة إذا فعل ما لا يناسب الصواب : أصدقتك أمرتك
بهذا ، وقيل المراد بالصلاة هنا القراءة ، وقيل المراد بها الدين ، وقيل المراد بالصلوات أتباعه ، ومنه المصلى الذي
يتلو السابق ، وهذا منهم جواب لشعيب عن أمره لهم بعبادة الله وحده ، وقولهم ( أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء )
جواب له عن أمرهم بإيفاء الكيل والوزن ، ونهيهم عن نقصهما وعن بخس الناس وعن العثي في الأرض ، وهذه
الجملة معطوفة على " ما " في ما يعبد آباؤنا . والمعنى : أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وتأمرك أن نترك أن نفعل
في أموالنا ما نشاء من الأخذ والإعطاء والزيادة والنقص . وقرئ ( تفعل ما تشاء ) بالفوقية فيهما . قال النحاس :
فتكون أو على هذه القراءة للعطف على أن الأولى ، والتقدير : أصلواتك تأمرك أن تفعل في أموالنا ما تشاء .
وقرئ " نفعل " بالنون وما تشاء بالفوقية . ومعناه : أصلواتك تأمرك أن نفعل نحن في أموالنا ما تشاؤه أنت وندع
ما نشاؤه نحن وما يجري به التراضي بيننا ، ثم وصفوه بوصفين عظيمين فقالوا ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) على
طريقة التهكم به ، لأنهم يعتقدون أنه على خلافهما ، أو يريدون إنك لأنت الحليم الرشيد عند نفسك وفي اعتقادك ،
ومعناهم : أن هذا الذي نهيتنا عنه وأمرتنا به يخالف ما تعتقده في نفسك من الحلم والرشد ، وقيل إنهم قالوا ذلك
لا على طريقة الاستهزاء بل هو عندهم كذلك ، وأنكروا عليه الأمر والنهي منه لهم بما يخالف الحلم والرشد في اعتقادهم .
وقد تقدم تفسير الحلم والرشد ، وجملة ( قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ) مستأنفة كالجمل التي قبلها ،
والمعنى : أخبروني إن كنت على حجة واضحة من عند ربي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه ( ورزقني منه ) أي من
فضله وخزائن ملكه ( رزقا حسنا ) أي كثيرا واسعا حلالا طيبا ، وقد كان عليه السلام كثير المال ، وقيل أراد
بالرزق النبوة ، وقيل الحكمة وقيل العلم ، وقيل التوفيق ، وجواب الشرط محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره :
أترك أمركم ونهيكم أو أتقولون في شأني ما تقولون مما تريدون به السخرية والاستهزاء ( وما أريد أن أخالفكم إلى
ما أنهاكم عنه ) أي وما أريد بنهي لكم عن التطفيف والبخس أن أخالفكم إلى ما نهيتكم عنه فأفعله دونكم ، يقال
خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه ، وخالفته عن كذا في عكس ذلك ( إن أريد إلا الإصلاح ) أي ما أريد
بالأمر والنهي إلا لإصلاح لكم ودفع الفساد في دينكم ومعاملاتكم ( ما استطعت ) ما بلغت إليه استطاعتي ، وتمكنت
منه طاقتي ( وما توفيقي إلا بالله ) أي ما صرت موفقا هاديا نبيا مرشدا إلا بتأييد الله سبحانه وإقداري عليه ومنحي
إياه ( عليه توكلت ) في جميع أموري التي منها أمركم ونهيكم ( وإليه أنيب ) أي أرجع في كل ما نابني من الأمور
وأفوض جميع أموري إلى ما يختاره لي من قضائه وقدره ، وقيل معناه : وإليه أرجع في الآخرة ، وقيل إن الإنابة
الدعاء . ومعناه : وله ادعوا . قوله ( ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي ) قال الزجاج : معناه لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب
فتح القدير — صفحة 519
مساهمون: الشوكاني
ص٥١٩